قامات رياضية فقدتهم تاروت

تمضي بنا الأيام وتتوالى السنون، وعجلة الحياة تأخذنا كدًّا وتعبًا، نخيط الأمل مع وجوه الأحبة، نتعاون، نتكاتف، في السراء والضراء ونتشاطر معًا برسم الأفراح، وفجأة يسرق منا الحزن بهجة المسرات برحيل حبيب أو عزيز أو صديق أو جار أو صاحب، ننتحب نبكي على فراقهم، نتسربل بالحزن لأوقات قد تطول أو تقصر، لكننا ندرك تمامًا أننا لا نملك من أمرنا شيئًا فنسلم الأمر لله سبحانه وتعالى.
خلال عام كامل فقدت تاروت خمس شخصيات رياضية، وهو أكثر عام تخسر فيه تاروت هذه النفوس الطيبة، وجوه لعبت أدوارًا مؤثرة في مسيرة الأندية وخصوصًا نادي الهدى الرياضي بجزيرة تاروت، لما قدمته من خدمات جليلة لسنين خلت.
وأول الشخصيات التي غادرتنا بصمت اللاعب الموهوب محمد علي دعبل، برز نجمه مع الفريق الأول لكرة القدم منذ تسجيل الهدى رسميًا 1976م واستمر حتى منتصف الثمانينات، يجيد اللعب مركز جناح أيمن، سريع، مراوغ، قناص، وكم باغت الجميع بتسجيله أهدافًا مبكرة وأخرى حاسمة.
محمد علي دعبل أحد خريجي معهد التربية البدنية للمعلمين بالرياض سنة 1978م ضمن مجموعة أصدقاء حمد جابر حمود وعبدالله الوحيد وعبدالرسول زمزم، هؤلاء المعلمون قبل وبعد تخرجهم خدموا النادي خدمة كبيرة سواء لاعبين أو مدربين وأيضًا مشرفين رياضيين.
امتاز اللاعب محمد علي بأخلاق عالية، فلم يتعمّد يومًا أذية أي لاعب، ولا أظنه تحصل حتى على كارت أصفر، مسالم كاف عاف، ظريف المعشر، بعد أن ترك ساحات اللعب في منتصف الثمانيات، انزوى عن النادي وربما غاب اسمه عن الأجيال اللاحقة، لم يحظ بأي تكريم من قبل النادي أو المجتمع ، وحين غيّبه الموت قبل عام لم يتذكره أحد إلا المقربون.
ثاني الشخصيات التي رحلت عنا، الأستاذ عبدالله فسيل، شخصية رياضية مخضرمة، لعب في أواخر أيام نادي النجم ومع اتحاد الفريقين اللدودين النجم والخليج سنة 1962 والذي أصبح فريق الوحدة كان المدافع الأبرز، ونقطة التحول عند تسجيل النادي رسميًا، وتغيير اسمه لنادي المنار سنة 1967م خطف الأضواء بمهاراته العالية، أجرت معه جريدة اليوم مقابلة مطولة وكاد نادي الاتفاق أن يضمه إلى صفوفه فرفض العرض، نظرًا لحبه منقطع النظير لنادي المنار بتاروت وأبرز لاعبيه من خارج تاروت، اللاعب والحكم رشيد سنبل، وسعيد المحروس من القطيف ولاعب من رحيمه (...) أطلقت الجماهير الرياضية على اللاعب عبدالله فسيل بـ(صخرة الدفاع) نظرًا لبنيته الجسمانية بعضلات مفتولة وصلابته في اللعب، مقدام يرعب المهاجمين، من قوة تسديداته للكرة يخشى أن تصيب أحدًا وترديه أرضًا.
ولمن لم يدرك وقت لعبه شُبّه باللاعب العراقي (عدنان درجال)، كاتب السطور ضيع فرصًا ذهبية لأخذ معلومات وافية ومطولة عن هذه الشخصية الرياضية الاستثائية، والشاهدة على محطات وتحولات أندية تاروت القديمة إلا بعض معلومات متطايرة لا تفي ما تعج به ذاكرته من أحداث.
أقسى شيء سمعته منه حين سقط نادي المنار سنة 1969م بكى لأيام وليالٍ، غير مستوعب أن ناديه انتهى للأبد، ودخل في مرحلة اكتئاب، فهجر أي شيء اسمه أندية انكفأ وانزوى بعيدًا عن الأنظار مكتفيًا بتدريس مادة العلوم إلى أن تقاعد منذ عقدين من الزمن.
وأقسى من ذلك الموقف بعد رحيله أبلغني أحد أبنائه أنه يعاتب المجتمع الذي لم يكرمه يومًا ولم يلتفت إليه أحد! عبدالله فسيل معلم ذكي وأول رسام في جزيرة تاروت ولوحاته كانت تزين نادي الوحدة منذ 1962م، حين رحلت زوجته أم ياسر شعر بأن الدنيا لا تستحق أن تعاش.
ثالث الشخصيات التي رحلت، الأستاذ عبدالله المرزوق، الذي يعتبر أول رئيس لنادي الهدى بعد تسجيله رسميًا سنة 1976م وعلى عاتقه ونظرته الثاقبة وحماس أعضاء إداراته وهم كوكبة متنوعة وواعية من نائب الرئيس أبومدين الصغير والمشرف الرياضي الأستاذ عبدالله علي حسين مع أخيه أمين الصندوق عباس علي حسين والمشرف الثقافي المهندس جاسم سهوان والأستاذ سعيد الطريفي إدارة حققت الكثير من الإنجازات من ضمنها، منشأة النادي الحالية بتنوع الملاعب المضاءة والمغلقة وسط سوق تاروت، إلى تحقيق جوائز على مستوى المملكة في المسرح ورفع الأثقال وألعاب القوى، وكان النادي شعلة في كافة المجالات الرياضية والثقافية والاجتماعية، الأستاذ عبدالله المرزوق من أوائل المدرسين في جزيرة تاروت شخصية خدمت النادي بكل ما أوتيت من قوة وحنكة، حظي بتكريمات عديدة.
رابع الشخصيات التي رحلت بهدوء تام منصور آل إسماعيل (الحسن) الذي يعتبر ثاني رئيس لنادي الهدى سنة 1979م، إنسان لعب دورًا في تقريب وجهات النظر بين الفريقين اللدودين النسر والنصر مع جهود الآخرين من حوله باتحادهما سنة 1972 تحت نادٍ واحد اسمه نادي الهدى، في هذه الفترة كان لاعبًا لكرة الطائرة الذي لا يشق له غبار، ضارب من الدرجة الأولى، "كبساته" لا تصد ولا ترد، وكانت الجماهير تردد "منصور كبس كبسة من الديرة إلى الدشة"، امتاز بحسن الخط فقام بخط لوحتين عنوانًا للنادي الأولى نادي اليرموك، ثم تغير المسمى إلى نادي الهدى، وحلت محلها لوحة حبيب حمود المضاءة.
منصور إسماعيل لم يكن رئيسًا لنادي الهدى فحسب ولكنه تقلد مناصب إدارية في الكثير من الشركات والمؤسسات، يمتاز بكاريزما خاصة، فله هيبة وحضور واحترام عند الجميع لبق في الحديث لماح متوقد الذهن. وكان له دور في اتحاد نادي النسر ونادي النصر أيضًا له دور فعال بالسفر إلى الرياض عدة مرات من أجل تسجيل النادي برفقة حبيب حمود ، واثمرت تلك الجهود بتسجيل نادي الهدى رسميًا، وكانت له أمانٍ ونظرات بعيدة في رقي نادي الهدى، لكن قدره أن النادي في عام 1980 أصبح شبه خاوٍ نظرًا لكوابيس ذلك الزمن المر! ضاقت تاروت عليه بما رحبت فذهب عن أجوائها للعيش في البحرين، إلى أن وافته المنية قبل عدة أشهر وكانت وصيته أن يدفن في أرض تاروت.
أما خامس الشخصيات التي فقدناها قبل أيام الحاج عبدالمحسن الصغير المعروف عند الجميع بـ"أبو مدين"، إنسان وجيه لم يأت من خلفية رياضية بل من خلفية اجتماعية فهو أحد الوجهاء الذين يتقدمون للجهات الرسمية باسم البلد للمطالبة بالخدمات الضرورية من سفلتة الشوارع وإنارتها، ومستوصف ومدارس للبنين والبنات ومد خط تليفون.. إلخ، يحرر الخطابات ويأخذ التوقيعات من الشخصيات البارزة ويذهب إلى الرياض لمقابلة المسؤولين برفقة الوجيه أبوغسان أحمد الوحيد، وكم تعبوا ولم يهدأ لهم بال إلا بتحقيق الطلب على أرض الواقع.
انتخب نائبًا للرئيس، لأول إدارة لنادي الهدى 1976حركي فعال في تسيير أمور النادي يتابع كل صغيرة وكبيرة جريء في الكلام يصمت كثيرًا ويفكر مطولًا ويطلق رأيه بعد تأمل عميق، كثير التواجد في مقر النادي أو ضمن فعاليات الألعاب المختلفة. كانت له أحلام كبرى من ضمنها امتلاك النادي لمنشأة دائمة وعصرية، لكن مع شديد الأسف أجهض ذلك الحلم.
ما أصعب أن تفني جل وقتك وتضحي بالغالي والنفيس وتقابل بالجحود وكأنك نكرة مجردة! سوء الفهم والظنون من أسباب ضياع الكثير من الفرص لأن عقولًا عن عقول تختلف، هناك عقل يحرك بلدًا بأكملها إذا لم تقف وتدعمه ستخسر الكثير بل تحتاج لسنوات لتعوض مكانته. الحاج أبو مدين من الذين ناضلوا في خدمة نادي الهدى ومجتمع جزيرة تاروت عامة.
لي معه مشهد شخصي لم أنسه ما حييت، حين رأى مسرحية الكريكشون للأطفال من تأليف د. عبدالله حسن منصور، في حفل نادي الهدى الساهر 1976 تزيّنها خلفية من رسم ريشتي لبيوت قديمة تمثل أحد أزقة الديرة، لم يكتف بالثناء على اللوحة مثل الآخرين بل قام بتقديم هدية لي عبارة عن حقيبة دبلوماسية سوداء لم تسعني الفرحة بهذا التقدير، حقيبة مازلت إلى اليوم أحتفظ بها واضعًا فيها بعض الشهادات والأوراق الرسمية.
وأشهد يا أبامدين بأنك كنت وفيًّا لأبناء بلدك، وكل الراحلين الذين فقدتهم أرض تاروت خلال عام كامل، سلام على تلك الأرواح التي قدمت خدمات جليلة مدفوعة بحب الأرض والمجتمع، نعزي إدارة وأعضاء نادي الهدى على فقدنا لهذه القامات الرياضية.
همسة وجدانية:
أتمنى أن يتم عمل لوحة شرفية في مقر النادي توضع فيها صور ونبذة مختصرة لهذه الشخصيات الرياضية وقبلها من فقدناهم، والذين أثروا في مسيرة وتاريخ نادي الهدى لتتذكرها الأجيال وتعرف قيمة إنجازاتها.



