الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أمجاد

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالسبت 2 أغسطس 2025، 2:40 م
أمجاد

ورد أن الإمام الحسن المجتبى (ع) لما سُئل: فما المجد؟
قال (ع): «أن تُعطي في الغُرم، وأن تعفو عن الجُرم» (بحار الأنوار ج 75 ص 102).

يسعى الإنسان العاقل لامتشاق قمة السمو والمكانة العالية من خلال الأهداف التي يحققها، بلوغًا إلى منجزات تُسطّر في سجل أعماله. وهذه الأمجاد ليست وليدة لحظات عابرة أو ضربة حظ، بل هي خلاصة تختزل مسيرة جادة في ميادين الحياة العلمية والعملية. وهذا الوسام يُناط بإنجازات متعددة على مستوى مختلف أبعاد شخصيته الفكرية والنفسية والمهارية والاجتماعية والأخلاقية.

فإذا ما نظرنا إلى تلك الشخصية بنظرة متأنية ودقيقة، سنجد نفسًا قد تخلّصت من أغلال الأنا وشحّ النفس والمشاعر السلبية تجاه الآخرين نتيجة استفزاز أو إساءة. كما أن العطاء بمختلف أبعاده وأشكاله المادية والمعنوية يُعدّ سمة من سمات أصحاب المجد والرفعة الأخلاقية، إلى جانب ما يتحلّى به أهل المجد من الصفات الحميدة والقيم التربوية.

غير أن الإمام (ع) يشير إلى صفتين مهمتين تتعلّقان بالعطاء والعفو عن المسيء؛ فهما تدلان على ذلك التألق الأخلاقي وضبط النفس ومشاعرها تجاه مختلف المواقف والظروف الصعبة.
فالكرم يدل على مشاركة وجدانية مع المعوزين والمساهمة في تخفيف أعباء الحياة عنهم، وهم كُثر – ولله الحمد – غير أن قمة العطاء والتخلص من أسر حب المال السلبي تتجلى في العطاء عند الحاجة الشديدة للمال (الغُرم)، حين تسمح النفس ببذل المال لتجفيف دمعة الفقير واليتيم، وهذا يمثل قمة السعادة والسرور لديهم.

أما الجانب الآخر، فهو تعامل إنساني نبيل يدل على الكرم والمروءة، يتجلّى عند منعطف الإساءة والتجاوز. ففي وقت يُنتظر من صاحب المجد أن يقابل الإساءة بمثلها أو الكلمة البذيئة بما لا يقل عنها سوءًا، تتحرّك في النفس رغبة في الانتقام بعد انفعال شديد، لكنه يواجهها بالتهدئة وضبط النفس، محافظًا على قيمه متجاوزًا الإهانة بالعفو والتسامح.
وهذا لا يعني أن الصفح وخلو القلب من مشاعر الكراهية والأحقاد، أو الترفع عن أساليب التجاهل والضرب تحت الحزام، أمرٌ سهل؛ بل إن هذا المجد نتاج تربية مستمرة للنفس، ومحاسبة دقيقة، وضبط للتفاعلات والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

النفوس الصانعة للأمجاد لا تنطلق من فضاء اللاوعي أو من ضعف الإرادات وحياة الفراغ والفوضى والتيه، بل تحركها دوافع نفسية منسجمة مع صور فكرية متطلّعة إلى مكانة عالية من التألق. وتتماهى هذه الدوافع مع تربية تُوجّه طاقات الفرد وإمكاناته نحو ميدان العمل المثابر، دون إغفال المساحة الاجتماعية والأخلاقية في النفس.

فالعطاء لا يحتاج حدودًا أو إمكانيات ضخمة لتحقيقه، بل هو استجابة طبيعية من النفوس الكبيرة، ومشاركة وجدانية تتخطى فكرة الاقتصار على المنافع الشخصية. أما التخلي عن الانجراف وراء كل استفزاز للمشاعر، فيعني الدخول في صراعات جانبية مستمرة، وما يصاحبها من التخلي عن الأهداف الحياتية والإصابة بالاحتراق النفسي والاختناق العاطفي.

وهنا يتجلّى معنى المجد الحقيقي: القدرة على كبح جماح النفس أمام الرغبات المذلّة كحب المال الشديد أو انفلات المشاعر، والسيادة على النفس، وضبط إيقاع التصرفات وفق الحكمة والعطاء والتسامح.