الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خرابيش مريض 64… دواء المتقاعدين في فنجان الضحك

عبد الكريم النمر · القطيف اليومالجمعة 10 أكتوبر 2025، 4:55 م
خرابيش مريض 64… دواء المتقاعدين في فنجان الضحك

لم أكن أنوي الخروجَ ذلك الصباح.
فالجسد متعب، مائل إلى الصمت، والنفس أثقل من أن تحتمل ضجيج المجالس، والروح تتثاءب كشيخٍ أرهقته الأيام.

لكن رسالةً قصيرة في “واتساب” من أعزاء على القلب جعلتني أتوقف قليلًا… وأفكر.

جلسة الأصدقاء القدامى، خاصةً أولئك الذين جمعتهم سنواتُ العمل أو الدراسة ثم تفرّقوا بعد التقاعد، ليست مجرد لقاءٍ عابر.
إنها دواءٌ نادر، يعيد للحياة معناها البسيط، ويمنح الأيام نكهتها القديمة.
هي عودةٌ إلى زمنٍ كانت فيه الأيام أبطأ، والقلوب أدفأ، والضحكات أصدق.

صباحَ الإثنين، وجدتُ نفسي بينهم… وجوهٌ أعرفها أكثر مما أعرف نفسي.
وجوهٌ غطّاها الزمن بتجاعيد الحكايات، لكنها ما زالت تلمع بنور الألفة القديمة.
أناسٌ إذا رأيتهم، رأيتَ نفسك: كيف كنتَ… وكيف أصبحتَ.

جلسنا حول مائدة الإفطار، ثم الغداء، عامرتين بما لذّ وطاب،
لكن الأجمل لم يكن الطعام… بل الذاكرة.

فما إن تبدأ الجلسة حتى تنتعش الذاكرة،
تفيض بالمواقف والقصص، بنجاحاتها وإخفاقاتها،
فنضحك كما لو أن كل ذلك حدث بالأمس.

كل واحدٍ يروي قصة، والآخر يضحك حتى تدمع عيناه، ثم يسكت لحظة، كأنه يتأكد:
هل ما زلنا هنا فعلًا؟
هل ما زالت الحياة تمنحنا هذا القدر من البساطة؟

تحدثنا عن العمل، عن أول راتب، وأول رئيس، وأول يومٍ في الدوام،
وعن ذلك الزميل الذي ما زال يظن نفسه أصغرَنا سنًّا، رغم أن شعره صار أبيض كالملح.

ضحكنا كثيرًا…
حتى نسينا التعب، والمرض، والمواعيد، وأدوية الضغط والسكر التي صارت رفيقة أغلبنا.

ضحكنا حتى دمعت العيون، لا من الفرح وحده،
بل لأننا كنا نخاف أن نصمت، فنسمع أصواتَ من غابوا.

كم تغيّرنا!
الوجوه هي ذاتها، لكن الملامح أبطأ، والنظرات أعمق، والضحكات باتت تخرج على مهل، كأنها تُستأذن قبل أن تُقال.

ثم خمدت الضحكات، وبدأت فناجين القهوة تبرد… وحلّ الصمت.
تسلّل إلينا السؤال الذي لا يُقال بصوتٍ مرتفع، لكنه يهمس في القلب:
كم واحدًا منّا لن يكون حاضرًا في الجلسة القادمة؟

أحسست أن كل ضحكة كانت محاولةً لمدّ العمر قليلًا،
وأن كل حكاية كانت استغفارًا مؤجلًا لزمنٍ مضى سريعًا.

وعندما ودّعنا بعضنا، تساءلتُ في سري:
هل نلتقي لأننا نشتاق؟
أم لأننا نخاف أن نُنسى؟
هل ضحكُنا فرحٌ بالحياة… أم محاولةٌ لتأجيل الدموع؟

⸻

همسة متقاعد:
الأصدقاء القدامى… يشبهون الأدوية القديمة، تغيّر لونُها، لكن مفعولُها لا يزال يخفف الألم.