الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

القطيف ليست حفرة… ومن اعتاد البحث عن القبح سيجده أينما نظر

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالإثنين 22 ديسمبر 2025، 4:04 م
القطيف ليست حفرة… ومن اعتاد البحث عن القبح سيجده أينما نظر

ليس غريبًا أن ترى حفرة في شارع، أو خطأً في تصرف، أو سلوكًا فرديًا لا يعبّر عن الكل، لكن الغريب فعلًا أن تختصر مدينة كاملة بتاريخها وناسها وعاداتها وطبيعتها، ونهضتها التنموية والحضارية الصاعدة، في تلك الحفرة، وكأنها العنوان الوحيد الممكن للحكاية.

بعضهم، ولأسباب لا تخلو من تعقيد، يجتهد بصدق لافت في البحث عن أسوأ ما في بلدته، لا لأنه غيور عليها، بل لأنه لا يرى غير ذلك، تمر أمامه البيوت المتقاربة، والوجوه المتآلفة، والمبادرات التي تدار بصمت، والتاريخ الذي يسكن الأزقة، والطبيعة التي تمنح المكان روحه، والنهضة التي تشهدها، فلا يتوقف عندها، عينه مدربة فقط على الخلل، وعدسته لا تلتقط إلا العيب، ولسانه لا يعرف سوى صيغة الاتهام.

في عالم اليوم، يكفي هاتف ذكي واتصال بالإنترنت ليصبح أي تصرف فردي «ظاهرة»، وأي خطأ عابر «سمة مجتمعية»، وأي خلل إداري «وصمة مدينة»، وهنا تبدأ المشكلة، حين لا يعود الإعلام وسيلة وعي، بل يتحول، بقصد أو دون قصد، إلى مرآة مشوهة تعكس صورة لا تشبه الواقع، بقدر ما تشبه مزاج من يمسك بها.

المفارقة أن بعض المدن، حين تكتب اسمها في محركات البحث، تستقبلك بصورها الجميلة، ومعالمها، وتجاربها الإنسانية، بينما هناك من يصر أن يكون اسم مدينته مقرونًا بالسوء فقط، لا لشيء، إلا لأن ذلك ينسجم مع نظرته الشخصية، وربما مع صراع داخلي لم يحسم بعد.

ليس كل ما يرى يصلح بالإعلام، وليس كل ما ينشر يعالج المشكلة، فالإعلان عن الخلل لا يعني بالضرورة حله، بل قد يكرسه أحيانًا، ويضخمه، ويزرع في وعي الناس فكرة أن هذا هو «الطبيعي»، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما يقدم كأزمة عامة، هو استثناء، أو حالة خاصة، أو نتيجة ظروف معقدة لا تحل بالكاميرا أو بالفرقعات أو المقالات، أو بالنشر الغير مسؤول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

والمؤسف أن المجتمع في هذه السرديات يبدو دائمًا وكأنه مقصر، أو قاس، أو غير مبال، بينما الواقع، لمن عاشه عن قرب، يقول عكس ذلك تمامًا، هناك تضامن لا يصور، وتكافل لا يعلن، وجهود تبذل بهدوء، لأنها ببساطة لا تبحث عن عدسة، ولا تنتظر تصفيقًا.

لا أحد يطالب بتلميع الصورة، ولا بدفن الأخطاء تحت السجادة، لكن العدل يقتضي أن نرى المشهد كاملًا، لا أن نقتطع منه ما يخدم رواية واحدة، المدينة ليست منشورًا غاضبًا، ولا مقطعًا مجتزأً، ولا تعليقًا ساخرًا، بل كيان حي، فيه الجمال كما فيه النقص، وفيه الإنسان قبل الحدث.

ربما المشكلة ليست في المدن، بل في طريقة النظر إليها. فالعين التي اعتادت البحث عن القبح، ستجده حتى في لوحة فنية، بينما العين التي ترى بتوازن، تعرف أن الحفرة تردم، لكن الصورة الذهنية إن تشكلت ظلمًا، يصعب ردمها.

وفي النهاية، يبقى السؤال البسيط، هل نكتب ونتحدث عن مدننا لأننا نحبها ونريد لها الأفضل، أم لأننا نريد أن نثبت، ولو لا شعوريًا، أن المشكلة دائمًا هناك، لا فينا.

بلدات:القطيف