الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

آيةٌ وعجب

السيد قصي الخباز · القطيف اليومالثلاثاء 26 مايو 2026، 10:35 ص
آيةٌ وعجب

يقول الله جل وعلا في محكم كتابه: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ)

في كل آية من كتاب الله آيةٌ وعجب، ودليلٌ قاطع على إعجاز هذا الكتاب العزيز؛ آياته وكلماته وحروفه ولا غروَ ولا عجب، فقد تحدى الله به أرباب الفصاحة والبيان من العرب أن يأتوا بعشر سور، بل بسورة، بل بآية من مثله، فعجزوا وسلموا لما يجدونه في نظمه من السلاسة والجزالة والإحكام.
وفي هذه الوقفة المتأنية ستقف معي أيها القارئ الكريم عند مفردتين، لنكشف عن شيءٍ من أسرار البيان القرآني

المبحث الأول: في مفردة (أُولُو) والتَّلاحمُ الدَّلالِيُّ وَالعمومُ
مفردة أُولُو هي اسم جمع لا واحد له من لفظه، ولذا أُلحقت بجمع المذكر السالم في إعرابها بحيث ترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء، والعجب فيها أنك لا تجد لها مفرداً من لفظها (فلا يقال: أوُلْ)، وإنما يُستعاض عنها بـ (ذو) للمذكر و(ذات) للمؤنث من غير اللفظ.

النكتة في ذلك إن تجريد الكلمة من المفرد اللفظي ينزع عنها صبغة الفردية، وكأن بنيتها الصرفية واللغوية أُسِّست لتدل على الجمع والتكتل، وهو ما يطابق تماماً سياق الأرحام القائم على الترابط والالتحام الأسري كما أن كلمة أولو ملازمة للإضافة دائماً، فتقول: (أولو الألباب) و(أولو الأرحام)، ولا تأتي منفردة أبداً لتعطي دلالة مستقلة والسر في هذه الملازمة للإضافة تعني لغوياً أن الكلمة لا تستقل بنفسها في المعنى حتى تتصل بغيرها وهذا يحاكي واقع الرحِم؛ فالقريب لا قوام لرحمه بالفردية والانعزال، بل بـ الإضافة والاتصال والارتباط بالغير؛ فكما تفتقر (أولو) نحوياً لما بعدها، يفتقر صاحب الرحم ويستند إلى أرحامه.

دلت هذه المفردة على شمول الحكم لـ جنس الأرحام واستغراق كل أفراده، فلو قال السياق ذو رحم لتوهم متوهمٌ أن الحكم خاص باللصيق المباشر، أو بصاحب الإرث الفرضي، أو بخصوص الأسرة الصغيرة، لكن (أُولُو) جاءت أعمّ وأشمل لكل من بينه وبين الآخر صلة رحم ودم، ليفيد الحكم العموم والشمول المطلق.

المبحث الثاني: تناغم النظم والإِيجاز البَلاغي
ثمة اشتقاق وتناغم لفظي عجيب يظهر في قوله: (وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).

إن استعمال أولو متلوة بـ أولى يبرز جناساً اشتقاقياً وتناغماً صوتياً عذباً، يجعل الجملة تتدفق بسلاسة في النطق، فلا تستوحش مفرَدةٌ من جارتها، ولا تنبو مفرَدة عن الأخرى وهذا التناغم الصوتي يربط بين القرابة (أولو) وبين الأحقية والتفضيل (أولى) برباط وثيق.

وهنا يتجلى الإيجاز مع الجزالة، فاللفظ موجز مشحون بالمعاني، تؤدي فيه كلمة واحدة (أولو) دلالات الجمع، والشمول، والالتصاق، والصلة، والدم؛ وهذا هو محض الإعجاز البلاغي.

المبحث الثالث: الباء فِي قَوْلِهِ (بِبَعْضٍ)
إذا انتقلنا إلى المفردة الثانية -وهي حرف الباء في قوله بِبَعْضٍ- فإننا ندخل في مبحث لطيف وعميق من مباحث (معاني الحروف) فالباء في اللغة لها أصل في الوضع، ولها معانٍ فرعية تتسع وتتشعب وقد استقصيتها قبل أعوام فوجدتها في الاستعمال القرآني تصل ل أربعة عشر معنى، ولكن موقعها هنا جاء مبهراً من عدة وجوه:
1. دلالة المجاوزة والالتصاق:
الأصل في فعل (أولى) وما يقع في معناه أنه يتعدى أو يتجاوز بحرف؛ فيقال (أولى بـ) أو (أولى من) لكن الإعجاز هنا أن إتيان الباء للمجاوزة لم يكن مجرد تعدية باردة، بل أفاد معنى تعليقياً إضافياً وهو (الإلصاق والتماس).

فكما تقول في لغة العرب: (أمسكتُ بالثوب) لتفيد الملامسة المباشرة والتلاصق بين اليد والثوب، جاء قوله: (أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ) ليفيد أن هؤلاء الأقارب ممسكٌ بعضهم ببعض، متلاصقون ومتماسكون، مما يبين شدة التلاحم بين أفراد الأسرة والقرابة، والالتزام التام بالحقوق والواجبات، سواء في المواريث أو النصرة أو البر.

2. لماذا قال الله عز وجل (أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ) ولم يقل (أولى من بعض)؟
مِنْ تفيد التفاوت والانفصال فلو قيل فلان أولى من فلان، لأفاد ذلك وجود رتب متفاوتة ومنفصلة، حيث ينفصل الأول عن الثاني في الرتبة والقرابة والمكانة...

أما الباء تفيد التماس والاتحاد بحيث أن الباء ترفض هذا الانفصال، وتؤكد أن القريب ملتصق وملتحم بقريبه التزاماً وتواصلاً، فليس هناك فجوة أو انفصال، بل هم جسد واحد، وكلما كان القريب أقرب كان اللصوق أشد والأولوية أوجب.

3. التبعيض بين الحقيقة والمجاز
من المعاني المستقرة للباء في العربية "التبعيض" (كما في قوله تعالى: وامسحوا برؤوسكم أي ببعض رؤوسكم). فهل تنطبق التبعيضية هنا في (ببعض)؟

يرى أهل البلاغة أن التبعيض هنا لا ينطبق بمعناه الحقيقي الخالص، ولكن يمكن تخريجه على سبيل المجاز لغرضٍ بلاغي دقيق حيث أن هذا الملمح ينزل فيه البعض منزلة المنفصل رتبةً بوعي وتشريع، لتوضيح رتب القرب وحيث إن الخروج من الحقيقة إلى المجاز في الحروف يتطلب دقة شديدة وإعمال فكر صلب، فإن المعاني السابقة (الإلصاق، والتماسك، وعدم التفاوت) تعطي بياناً شافياً يغني عن التكلف، ويوضح مراد الآية بأجمل وجه.

ختاماً لو أردنا أن نخرج من حدود اللفظ والحرف إلى فضاء التفسير، لانساق بنا الحديث إلى معارك عقائدية وروايات متعددة حول ما إذا كان الحكم عاماً أم خاصاً، مطلقاً أم مقيداً، وما يتعلق بآيات المواريث والولاية، وهي أبحاث يطول بها المقام، وللتركيب اللغوي فيها شأن آخر.

وحسبنا هنا ما وقفنا عليه من إعجاز هاتين المفردتين (أولو) و(الباء)، لتظل الآية الكريمة شاهدة على عظمة النظم القرآني وبلاغته المعجزة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.