الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (6): ما يصنع الإنسان حقًا

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالثلاثاء 21 يوليو 2026، 9:13 م
الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (6): ما يصنع الإنسان حقًا

قد يعتقد البعض أن إدارة الذات في خضم المشكلات والمحطات الصعبة في حياة الإنسان، وإعادة قراءة الواقع بناءً على الظروف المحيطة، مجرد ترف فكري لا يمتّ بصلة إلى وقائع الحياة؛ إذ إن التأثر العاطفي والنفسي السلبي بتلك المحن تهبّ معه نسائم الهموم والأحزان والصدمة العاطفية، مهما قلنا عن شخصية الإنسان وقدراته. وهذا يعني أن اتجاه الوعي وأسلوب الحياة يقعان في دائرة الأوهام الخيالية والأمنيات البعيدة.

فكل فرد تتباين ملامحه بين حالة السرور والارتياح النفسي من جهة، وحالة التألم والضيق من جهة أخرى. وهذا الحديث، وإن كان صحيحًا في جهة التوصيف والمشاهدة العينية والوجدانية، إلا أنه في مؤداه يدعو إلى الاستسلام والإقرار والقبول بالواقع، مهما بلغت درجات سوءه، دون القيام بأي محاولات لرفع آثار ذلك الواقع.

فإن ضبط النفس، والنظرة الهادئة لأي أزمة أو صعوبة، يعودان على الإنسان بالصفاء والقدرة على اختيار أفضل الحلول والمخارج من دهاليز تلك الأزمة. كما أن القرارات التي يمكن أن يقدم عليها تتفاوت بين خطوة متهورة وانفعالية تقع بعيدًا عن طريق الحل، بل قد تأخذه نحو تأزم أكبر وتضخيم للمشكلة والدوران في بؤرة فارغة لا مخرج منها، وبين من يتخذ القرار المناسب والحازم، ويتحمل مسؤولية تلك الخطوات، ويتكيف مع الواقع المؤلم دون الدخول في حالة التذمر واجترار الآلام والتفكير السلبي.

كما أن الحكم على الواقع والظروف ومؤثرات المشهد والعلاقات المختلفة يتباين بين الخضوع للأهواء والعاطفة العمياء من جهة، وبين العقل الواعي والقائم على معطيات وعوامل تصل به نحو مخرجات تبدو واقعية من جهة أخرى. وكذلك هي تلك المواقف تتأرجح بين المواقف الباهتة أو غير القائمة على مستند عقلاني، وبين المواقف الحكيمة والداعية إلى تعامل متطابق ومتناسب مع ذلك الواقع وظروفه.

وهذا عين المنطقية والعقلانية؛ إذ لا يمكن قراءة الواقع والأحداث قراءة واحدة لا تتغير مهما تباينت الظروف. فالطمأنينة والهدوء النفسي في قلب العاصفة والظروف العاتية هما بوصلة الحركة الواقعية، كما أن الربان يتجه بالسفينة وسط هيجان الأمواج وفق قراءة تحفظ سلامة الشراع والسفينة ومن يقطنها، فيترقب الفرص المتاحة والاتجاهات التي تحافظ على سلامته، ويبتعد شيئًا فشيئًا عن بؤرة الأزمات، ويختار الاتجاه والطريق اللذين يقودانه إلى النضج العقلي والقراءة الواقعية، بدلًا من الوقوع في طريق استنزاف الطاقة النفسية والجهود والأوقات، فتكون النتيجة المزيد من الخسائر والآلام، والاقتراب أكثر فأكثر من براثن التشاؤم واليأس والسقوط.

إن التربية الحقيقية، والتغذية المعرفية، والقدرة على مواجهة التحديات والصعاب والخروج منها مع المحافظة على المكتسبات والقدرة على مواصلة المسير بهمة عالية، لا تنتج عن عملية تكديس المعلومات في الذهن، ولا يقاس نجاحها بكثرة ما يحفظه الإنسان من حقائق ونصوص وتجارب خاضها الآخرون وتغلبوا فيها على الظروف الحياتية القاسية، وإنما تُقاس بقدرتها على صناعة عقل واعٍ يمتلك أدوات الفهم، ويحسن قراءة الواقع، ويزن الأمور بميزان الحكمة لا باندفاع العاطفة.