أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الجودة حين تتحول الى أسلوب حياة

باسم آل خزعل · القطيف اليومالأربعاء 5 أغسطس 2026، 12:47 م
الجودة حين تتحول الى أسلوب حياة

في عالم التسويق تتردد عبارة أصبحت مع مرور الزمن أكثر من مجرد إعلان تجاري "There is a Car and there is a Mercedes".. "هناك سيارة.. وهناك مرسيدس" ولم تكن هذه العبارة لتترسخ في الأذهان عن التفوق الهندسي والابتكار الذي تميزت به الشركة الالمانية طوال تاريخها الكلاسيكي لأن مرسيدس وحدها تنقلك إلى وجهتك، فجميع السيارات تقوم بالمهمة نفسها ايضا، لكنها استطاعت أن تبيع للعالم فكرة مختلفة، أن الرحلة ليست مجرد انتقال، بل تجربة، وأن الجودة ليست كماليات تضاف إلى المنتج، بل روح تسكنه.

وقفت طويلا أمام هذه العبارة، ثم سألت نفسي: أليست الحياة كلها قائمة على هذا المبدأ ..

فنحن جميعا نعيش، ونعمل، ونتعلم، ونأكل، ونصلي، ونصل إلى محطات العمر المختلفة، لكن الفارق الحقيقي ليس في الوصول، وإنما في الكيفية التي وصلنا بها.

تأملت يوما في وجبة إفطار بسيطة، فوجدت أن الأمر أعظم من أن يكون مجرد طعام يسد الجوع. فكمية الملح ليست رقما عشوائيا، والفلفل له مقدار، وطريقة تقطيع الطماطم والبصل تؤثر في المذاق قبل الشكل، ونوع الملح نفسه يحدث فرقا، فهناك ملح بحري طبيعي احتفظ بعناصره، وهناك ملح مصنع فقد كثيرا من خصائصه. ثم يأتي الزيت، فليس كل زيت يصلح لكل حرارة، وإذا تجاوز درجة معينة فقد كثيرا من منافعه، وربما تحول إلى سبب فيما لا يحتاجه الجسد من أضرار وسعرات. حتى كوب الشاي أو القهوة الذي نشربه كل صباح لا يولد مذاقه مصادفة، بل تقف خلفه حبة بن مختارة، وتحميص محسوب، وطحن بدرجة معينة، وحرارة ماء مضبوطة، ووقت استخلاص دقيق، حتى يصل إلى الفنجان بذلك الطعم الذي يطرب له الذوق.

كل تلك التفاصيل الصغيرة لا يلتفت إليها كثير من الناس، وربما لاتعنيهم، لكنهم في الأخير جميعا يشعرون بنتيجتها.

ولعل أكثر ما يلفت انتباهي أن بعض الناس يستغربون بحث الإنسان عن الجودة، ويصفونه بالمبالغة أو الترف. كثيرا ما تعرضت للانتقاد بسبب اقتنائي لعطور فاخرة أو أدهان عود نادرة، وكأنني أبحث عن مظهر أو شهرة. لكن ما إن تعبق تلك الروائح في المكان حتى تتغير الآراء، ويتحول الاستغراب إلى إعجاب، ويصبح السؤال عن اسم العطر بدلا من السؤال عن ثمنه.

لم يكن هدفي يوما أن أنفق المال لمجرد الإنفاق، ولا أن ألفت الأنظار، وإنما كنت أبحث عن الجودة التي ترضي ذائقتي. فالإنسان يصنع صورته في أعين الناس من خلال اختياراته، والإتقان في اختيار الأشياء ينعكس على صاحبه، حتى يصبح له أسلوب يعرف به، وبصمة لا تشبه غيره. فالجودة ليست ترفا، وإنما هوية.

والأمر نفسه ينطبق على الدراسة. فليس كل من تخرج متفوقا، وليس كل من نجح قد أحسن التعلم. قد يجلس طالبان في القاعة نفسها، ويقرآن الكتاب نفسه، لكن أحدهما يتعامل مع العلم بمنهج، يراجع وفق خطة، ويقيس فهمه، ويبحث عن التميز، بينما يكتفي الآخر بدرجة تعبر به إلى المرحلة التالية. كلاهما وصل، لكن أحدهما وصل بإتقان، والآخر وصل على قدر الحاجة.

ثم تأملت أعظم صورة للإتقان في هذا الكون، فإذا هي تكوين الإنسان في رحم أمه. تسعة أشهر من الدقة التي لا تعرف العشوائية، غذاء، ونمو، ومراحل متتابعة، وتقدير إلهي بالغ الحكمة، حتى يخرج الإنسان إلى الدنيا في أحسن تقويم. وكأن الله سبحانه يعلمنا منذ أول لحظة في وجودنا أن أعظم النتائج لا تصنعها الصدفة، وإنما يصنعها النظام والإتقان والصبر.

لكن يبقى أعظم ميدان تظهر فيه الجودة هو علاقتنا بالله عز وجل.

الصلاة هي عمود الدين، ومع ذلك قد يقف مئات المصلين في صف واحد، يؤدون الصلاة نفسها، ويقرؤون السور نفسها، ويركعون ويسجدون في الوقت نفسه، بينما تكون المسافات بين قلوبهم أبعد من المشرق والمغرب. فمنهم من يؤدي الصلاة عادة، ومنهم من يعيشها عبادة.

إذا حضر القلب مع تكبيرة الإحرام، وعاش معاني سورة الفاتحة، واستشعر في الركوع معنى التعظيم والخضوع لله، وذاق في السجود لذة القرب والانكسار بين يدي خالقه، وتأمل كلمات التشهد وهو يجدد شهادته وعهده مع الله، فلن تكون الصلاة مجرد دقائق تنقضي، بل رحلة إيمانية يعود منها الإنسان بروح مختلفة، وقلب أكثر طمأنينة، ونفس أكثر صفاء. حينها يدرك أن الحكمة ليست في عدد الركعات، وإنما في حضور القلب، وأن الإتقان في العبادة هو أسمى صور الجودة التي يمكن أن يبلغها الإنسان.

وهكذا بدأت أرى الحياة بمنظار مختلف.

الجودة ليست في السيارة التي نقودها، ولا في العطر الذي نضعه، ولا في الطعام الذي نأكله، ولا في الشهادة التي نحملها، ولا حتى في عدد الأعمال التي ننجزها، وإنما في الروح التي نصنع بها كل ذلك.

إن الإنسان الذي يعتاد الإتقان في أبسط تفاصيل يومه، سيحمله هذا الإتقان إلى أخلاقه، وحديثه، وعمله، وعلاقته بالناس، ثم إلى علاقته بربه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في هذه الحياة ألا يكتفي بأن يؤدي الأشياء، بل أن يؤديها بإحسان، لأن الإحسان هو الوجه الآخر للجودة، وهو المعنى الذي يحبه الله، كما جاء في الحديث الشريف: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء».

تريث قليلًا..ثم انظر إلى حياتك.

لا تسأل نفسك، ماذا أنجزت، بل اسأل، كيف أنجزته.

فبين السؤالين عمر كامل، وبينهما يصنع الإنسان شخصيته، ويترك أثره، ويكتب قصته.

فالناس جميعا قد يصلون..

لكن قليلا منهم من يجعل رحلته تستحق أن تروى..