محراب التكوين (٥): الصلاة توعية وتربية

للصلاة تأثير كبير ونتيجة مرجوة في تشكيل وعي الإنسان بعامل الزمن، وترتيب أوراق حياته وفق تحمل المسؤولية، والسير بخطى واضحة ومتزنة في طريق الإنجاز؛ فالوقت هو رأس مال المرء الحقيقي، والذي يمكنه أن يحول قطعاته ومحطاته إلى مكتسبات وغايات متحققة، بعد بذل الجهد الكبير والمضني.
وهذا الترتيب لعلاقة الفرد بالوقت يحرره من الحياة العشوائية التي تضيع معها أوراق العمر دون تحقيق أي منجز يضع علامات وإطارا لشخصيته؛ إذ إن البعض تسرق منه أوقاته، وتتبلد أحاسيسه تجاه حركة عقارب الساعة المتلاحقة، فتهفو نفسه نحو التفاصيل العابرة، والخطوات العقيمة، والساعات الطويلة من الأحاديث عديمة الجدوى.
بينما الصلاة نداء وتربية للفرد مع قيامه بها في مختلف أوقات يومه؛ فحين يقف بين يدي الله تعالى، تنفتح نفسه على الدروس المعطاءة من الصلاة، فيتعلم أن للحياة غاية، وأن له دورا وظيفيا يليق بشأن كرامته وعزته، فيغتنم الأوقات لإنشاء مكانة مرموقة يسعى إليها بالعمل لا بالأماني الكاذبة، ويدرك أن لكل لحظة قيمة ومسؤولية.
وتقوية الإرادة في اتخاذ الخطوة والقرار المناسب من أهم معالم الشخصية الناجحة القادرة على مواجهة التحديات والأزمات؛ فتلك الظروف الصعبة قد تكون سببا قويا في الانهيار النفسي عند البعض، والشعور باليأس، وتملك النظرة السوداوية في تقدير مستقبل الأيام.
ويحتاج الإنسان إلى عوامل تساعده على المحافظة على اتزانه الفكري والانفعالي في أحلك الظروف، وتأتي الصلاة لتهبه ضبطا وتهدئة لانفعالاته الوجدانية، وتركيزا ذهنيا على المشكلة المعينة، مما يساعده على المضي بقوة، ومن دون تردد أو تهرب من المسؤولية؛ لتغدو الصلاة بوصلة داخلية تنمي قدرته على مواجهة الصعاب، وخوض معركة الحفاظ على مكتسباته وغاياته.
فالمشاغل الدنيوية ومشتتات الذهن كثيرة، وتؤثر بشكل سلبي فيه، والإعراض عنها، والتركيز على ما يبني شخصيته، ويوقف استنزاف أوقاته وطاقته النفسية، يتلقاه من خلال الوقوف بين يدي الله تعالى، واستعادة الملامح الإيمانية، واليقين بالتدبير الإلهي.
فتربّي الصلاة في نفسه مقاومة نزعات التشتت الذهني ووهن الإرادة؛ إذ إن النفس اللاهثة خلف الأهواء والشهوات تستجيب، من دون وعي أو تقدير للخسائر، لكل رغبة ولذة عابرة. والصلاة في مضمونها العالي تعلمه أن يحاسب نفسه، ويقف أمام مرآة ذاته، فيواجه رغباته ويخاطبها بنضج ورشد:
ليس كل ما أريده ينبغي أن أفعله، بل هناك رغبات مهلكة تردي صاحبها في الهاوية.
وهذا النضج والوعي هو بداية التحرر من سلطان الهوى؛ لأن الإرادة لا تنضج إلا حين تستطيع الاختيار الواعي في محطات الاختبار.
والصلاة تعيد للإنسان قدرته على التوقف عن مصادر السوء و الخطر و ذلك حين يرى حفرة من مكر شيطاني، والمراجعة لكل ما يصدر منه وسط تسارع الحياة، وصخبها وضجيجها، وهجمات الزمن الصعب.
فبين يدي الله تعالى، وفي لحظات صفاء الذهن من المشاغل، والتوجه إلى ضعفه وافتقاره، يكتشف الإنسان أن كثيرا مما يتعبه ويطارده كبعبع لا يستحق أن يمنحه الكثير من وقته وجهده.



