الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المرحوم الحاج أحمد علي المسعود… نموذجٌ للصابر الكادح

رضي العسيف · القطيف اليومالإثنين 24 أغسطس 2026، 12:13 م
المرحوم الحاج أحمد علي المسعود… نموذجٌ للصابر الكادح

رُوي أنه لما رجع النبي صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك، استقبله أحد أصحابه، وقد بدت على يديه آثار العمل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله:

«ما هذا الذي أرى بيديك؟»

قال: من أثر المُرِّ والمسحاة، أضرب وأنفق على عيالي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«هذه يدٌ لا تمسها النار».

وفي رواية أخرى:

«هذه يدٌ يحبها الله سبحانه وتعالى».

وقال صلى الله عليه وآله:

«الكادُّ على عياله من حلال كالمجاهد في سبيل الله».¹

حين أتأمل هذا المعنى النبوي العظيم، وأبحث في الذاكرة عن صورةٍ حيةٍ تجسّده، لا يكاد خاطري يتجاوز الحاج أحمد علي المسعود، أبا علي؛ فقد كان، في نظري، واحدًا من أولئك الرجال الذين كتبوا سيرة حياتهم بالكدح والصبر والقناعة، لا بالكلمات.

عرف أبو علي العمل منذ حداثة سنه، ونشأ قريبًا من الأرض والنخيل، يعمل مع والده في النخل، وذلك العمل الشاق الذي لا يمنح صاحبه الرزق فحسب، بل يهبه قوةً في الجسد، وصلابةً في النفس، وخبرةً في مواجهة مشاق الحياة.

ومن بين سعف النخيل وحرارة الشمس، بدأت تتشكل ملامح ذلك الرجل الصابر.

ومع مرور الأيام، انتقل إلى بيع بعض المنتجات الزراعية؛ من الرطب واللوز والليمون والتوت وغيرها. كان يفتح بسطته على الشارع العام منذ ساعات الصباح الباكر، ويبقى فيها حتى الظهر، ينتظر رزقه بهدوء، ويستقبل يومه بقلبٍ راضٍ.

لا حرارة الصيف القاسية كانت تثنيه، ولا برد الشتاء القارس يمنعه.

وكم صادفته في عز الصيف جالسًا في مكانه، والشمس ترسل لهيبها على الطرقات، فأقف متعجبًا من ذلك الصبر، ومن هذا الإصرار على طلب الرزق الحلال.

كان يقبل بالكسب القليل، ويحمد الله عليه، مؤمنًا بأن القليل إذا باركه الله صار كثيرًا، وأن لقمة الحلال وإن كانت متواضعةً تحمل في داخلها بركةً لا تقدر بثمن.

لم أسمعه متذمرًا من ضيق العيش، ولا ساخطًا على ما قسم الله له، بل كان قانعًا، هادئ النفس، مفوضًا أمره إلى الله، يسعى بيده، ويرضى بقلبه.

ولم يكن صبر أبي علي مقتصرًا على مشقة العمل وحدها؛ فقد امتحنته الحياة في مواضع أشد ألمًا.

فقد زوجته أم علي وهي في عز شبابها، فبقي يحمل في قلبه لوعة الفقد، ويواصل طريق الحياة بصبرٍ وصمت. لم يكن الفقد أمرًا هيّنًا، غير أنه تلقاه بقلب المؤمن الذي يعلم أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وأن الصبر عند المصيبة باب واسع من أبواب الأجر.

ثم لازمته معاناة مرض فقر الدم المنجلي، فكان المرض يداهمه بين حين وآخر، ويثقل جسده، ويطرحه على فراش الألم.

ومع ذلك كان يصبر.

يصبر حين يشتد الوجع، ويصبر حين يعاوده المرض، ويستند في كل ذلك إلى يقينه بأن ما عند الله للصابرين أعظم من كل ألم، وأن وراء لحظات التعب أجرًا لا يضيع عند الله تعالى.

وهكذا اجتمع في حياة أبي علي نوعان من الجهاد:

جهادٌ في طلب الرزق الحلال، وجهادٌ في مواجهة البلاء.

كان كادحًا من أجل عياله، صابرًا على مصاعب الحياة، قانعًا بما قسم الله له، هادئًا في طبعه، حسن الخلق، مسالمًا، متسامحًا، لا يحمل في قلبه ضجيج الشكوى، بل يحمل تفويضًا وتسليمًا لله تعالى.

وفي عبارةٍ تختصر سنواتٍ طويلة من المعرفة والذكريات، أقول:

كان ابن الخالة الحاج أحمد علي المسعود نموذجًا للرجل الكادح الصابر؛ كدَّ على عياله من الحلال، وصبر على فقد الأحبة، وصبر على المرض، ومضى في حياته بقلبٍ قانع ونفسٍ راضية.

رحمك الله يا أبا علي…

رحم الله تلك اليدين اللتين عرفتا التعب في سبيل الرزق الحلال، وتلك النفس التي خبرت الألم فلم تفقد صبرها، وذلك القلب الذي ابتُلي فلم يفقد رضاه.

رحمك الله بقدر ما تعبت، وبقدر ما صبرت، وبقدر ما كنت حسن الأخلاق، مسالمًا متسامحًا، مفوضًا أمرك إلى الله تعالى.

غبتَ عن أعيننا، لكن صورة الرجل الصابر الكادح ستبقى حاضرةً في الذاكرة، تروي بصمتها أن بعض الناس يرحلون، لكن سيرتهم الطيبة تبقى شاهدًا عليهم.

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجعل تعبك في طلب الحلال، وصبرك على البلاء، وحسن أخلاقك في ميزان حسناتك، وأن يجمعك بمن أحببت في مستقر رحمته ورضوانه.

المصدر:

1. من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 168، ح 3631.