الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

التودد إلى الناس

محمد الصغير · القطيف اليومالثلاثاء 6 أكتوبر 2026، 11:41 ص
التودد إلى الناس

رُوي عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أنه قال:

«التودد إلى الناس نصف العقل»*

كلمات قليلة، لكنها تحمل معنى كبيرًا في حياتنا؛ فالعقل ليس فقط أن نعرف ماذا نقول ومتى نقول، وليس فقط أن نملك القدرة على التفكير واتخاذ القرار، بل من العقل أيضًا أن نعرف كيف نتعامل مع الناس، وكيف نقترب منهم ونكسب قلوبهم دون تصنع أو تكلف.

التودد إلى الناس لا يعني أن نجامل الجميع، ولا يعني أن نتنازل عن مبادئنا من أجل رضا الآخرين، وإنما يعني أن يكون الإنسان قريبًا من الناس بخلقه، وكلمته الطيبة، وابتسامته، وحسن تعامله.

كم من إنسان بسيط في حديثه، لكنه محبوب في مجتمعه؛ لأن الناس يجدون عنده احترامًا وصدقًا واهتمامًا، وكم من إنسان يملك العلم والمكانة، لكنه يخسر من حوله بسبب كلمة قاسية أو أسلوب متعالٍ.

أحيانًا تكون كلمة طيبة في وقتها أبلغ من كلام طويل، ويكون السؤال عن شخص غائب، أو الوقوف إلى جانب محتاج، أو مواساة إنسان في حزنه، سببًا في بناء علاقة تبقى في الذاكرة.

والتودد الحقيقي لا يحتاج إلى مال ولا إلى مكانة اجتماعية، فقد يكون في ابتسامة صادقة، أو سلام حار، أو سؤال بسيط عن الحال، أو موقف نبيل يشعر فيه الآخر أنه ليس وحده.

وفي حياتنا نلتقي بأشخاص كثيرين، ونختلف معهم في الرأي والطباع ووجهات النظر، لكن الإنسان العاقل يعرف أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن بإمكاننا أن نختلف دون أن نجرح، وأن نحافظ على الاحترام حتى عندما لا نتفق.

التودد إلى الناس ليس ضعفًا، كما قد يظن البعض، بل هو قوة ونضج في التعامل؛ فالإنسان يستطيع أن يكون حازمًا دون قسوة، وأن يكون طيبًا دون ضعف، وأن يحفظ كرامته، وفي الوقت نفسه يحفظ للآخرين كرامتهم.

وقد تمر السنوات، وننسى كثيرًا من الكلمات التي قيلت لنا، لكننا لا ننسى إنسانًا جعلنا نشعر، في وقت من الأوقات، أننا مهمون، وأن وجودنا يعني له شيئًا.

لهذا تبدو هذه الكلمة النبوية أكبر من مجرد نصيحة في التعامل مع الناس؛ فهي تذكرنا بأن جزءًا من عقل الإنسان يظهر في علاقاته، وبقدرته على ترك أثر طيب في نفوس من حوله.

فليس العاقل من يعرف كيف يتحدث فقط، بل من يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، وكيف يختلف، وكيف يقترب، وكيف يحافظ على علاقاته دون أن يفقد نفسه.

التودد إلى الناس نصف العقل.

وربما كان النصف الآخر أن نعرف كيف نحفظ هذا التودد، دون أن نتخلى عن مبادئنا أو نفقد احترامنا لأنفسنا…

* المصدر للرواية: الكافي للشيخ الكليني، ج 2، ص 643، ومرآة العقول للعلامة المجلسي.