أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عندما توقظك ساقك من النوم

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالأحد 11 أكتوبر 2026، 11:45 ص
عندما توقظك ساقك من النوم

جاء رجل في الخمسين من عمره إلى العيادة، وكان يعاني من ارتفاع ضغط الدم. وكانت شكواه الأساسية تشنجات مؤلمة في الساقين؛ تحدث أحيانًا أثناء النهار، لكنها في معظم الأحيان تأتي ليلًا وتوقظه من النوم. وعند مراجعة الأدوية التي يستخدمها، تبين أنه يتناول من بينها مدرًا للبول. وبعد مراجعة علاجه وترتيب أدويته بما يتناسب مع حالته، خفت التشنجات لديه بشكل واضح، ووصل التحسن إلى نحو 90%.

تشنج الساق هو انقباض مفاجئ وقوي ومؤلم في عضلة أو مجموعة من العضلات، يشعر معه الإنسان بأن العضلة تصلبت فجأة ولا يستطيع تحريكها بشكل طبيعي. وقد يحدث التشنج في أي عمر ولدى الرجال والنساء، لكنه يصبح أكثر شيوعًا لدى بعض الأشخاص مع التقدم في العمر، كما قد تزداد التشنجات عند النساء أثناء الحمل.

ومن أكثر الأسباب شيوعًا إجهاد العضلات، مثل المشي لمسافات طويلة، أو ممارسة الرياضة، أو الوقوف لفترات طويلة، خصوصًا إذا كان الجسم غير معتاد على هذا الجهد. وقد تحدث التشنجات أيضًا مع نقص السوائل، خاصة في الأجواء الحارة أو بعد التعرق الشديد. كما يمكن أن ترتبط باضطراب بعض أملاح الجسم، مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم والصوديوم، لكن من المهم أن نعرف أن ليس كل تشنج يعني وجود نقص في الأملاح.

وهناك بعض الأدوية التي قد تساهم في حدوث التشنجات، ومنها بعض مدرات البول، لأنها قد تؤثر في السوائل أو توازن بعض الأملاح في الجسم. لذلك، إذا بدأت التشنجات بعد بدء دواء جديد أو تغيير جرعته، فمن الأفضل مناقشة ذلك مع الطبيب، بدلًا من إيقاف الدواء أو تناول مكملات البوتاسيوم أو المغنيسيوم من تلقاء النفس.

وقد يكون التشنج أحيانًا مرتبطًا بمشكلة صحية أخرى، مثل السكري وما قد يصاحبه من اعتلال في الأعصاب، أو أمراض الكلى، أو بعض اضطرابات الغدة الدرقية، أو مشكلات الدورة الدموية. ومع ذلك، فإن كثيرًا من التشنجات الليلية قد تحدث من دون سبب واضح، خصوصًا إذا كانت الفحوصات والحالة الصحية العامة طبيعية.

وهناك نوع من التشنجات يرتبط بالحرارة والمجهود، ويُعرف بتشنجات الحرارة. فقد يعمل الإنسان أو يمارس الرياضة في جو شديد الحرارة ويتعرق كثيرًا، فيفقد السوائل وبعض الأملاح، فتحدث له تقلصات مؤلمة في عضلات الساق أو غيرها. وهنا يجب التفريق بينها وبين ضربة الحرارة؛ فإذا صاحب التعرض للحرارة ارتفاع شديد في حرارة الجسم مع اضطراب الوعي أو التشوش أو فقدان الوعي، فهذه حالة طارئة تحتاج إلى تبريد سريع وطلب المساعدة الطبية فورًا.

أما إذا حدث التشنج أثناء النوم، فيمكن غالبًا التعامل معه بهدوء. يساعد تمديد العضلة المصابة بلطف، وتحريك القدم في الاتجاه المعاكس للانقباض، مع تدليك العضلة، وقد يساعد الوقوف والمشي بضع خطوات إذا كان ذلك آمنًا. والمهم ألا يحاول الشخص شد العضلة بعنف، لأن ذلك قد يزيد الألم.

وللتقليل من تكرار التشنجات، من المفيد المحافظة على شرب كمية مناسبة من السوائل خلال اليوم، خصوصًا في الأجواء الحارة ومع النشاط البدني، ما لم يكن الطبيب قد أوصى بتحديد كمية السوائل بسبب حالة صحية معينة. كما يفيد تمديد عضلات الساق بانتظام، وخاصة قبل النوم عند من تتكرر لديهم التشنجات الليلية. ومن الأفضل أيضًا تجنب المجهود المفاجئ، وزيادة النشاط تدريجيًا، وارتداء أحذية مريحة ومناسبة، والراحة عند العمل أو ممارسة الرياضة في الأجواء الحارة.

وقبل النوم، قد تساعد دقائق قليلة من تمديد عضلات الساق وتحريك الكاحل والقدم بلطف، مع المحافظة على الترطيب الجيد خلال النهار وتجنب الإجهاد الشديد في المساء. وإذا كانت التشنجات تتكرر بشكل مزعج، خصوصًا عند استخدام مدرات البول أو أدوية أخرى، فمن الأفضل مراجعة الطبيب لمعرفة السبب، بدلًا من الاكتفاء بعلاج الألم كل مرة.

لكن هناك أعراضًا لا ينبغي أن نعتبرها مجرد تشنج عابر. فإذا ظهر تورم مفاجئ في ساق واحدة، خصوصًا مع الاحمرار أو ارتفاع الحرارة والألم الواضح، فيجب تقييم الحالة بصورة عاجلة لاحتمال وجود جلطة في الأوردة العميقة. وإذا صاحب ألم الساق ضيق في التنفس أو ألم في الصدر أو دوخة شديدة أو إغماء، فهذه حالة طارئة تستدعي طلب الإسعاف فورًا، لأنها قد تشير إلى انتقال جلطة إلى الرئتين. كذلك فإن الألم الشديد والمستمر، أو الضعف أو الخدر الواضح، أو تغير لون الساق، أو برودتها بشكل غير طبيعي، يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.

وفي النهاية، قد يبدو تشنج الساق مشكلة بسيطة وتنتهي خلال دقائق، لكن تكراره يستحق أن نتوقف عنده ونسأل عن السبب. وقصة الرجل الذي بدأنا به تذكرنا بأن علاج العرض وحده ليس دائمًا كافيًا؛ فبعد مراجعة علاجه وترتيب أدويته تحسنت حالته بدرجة كبيرة، وعاد نومه أكثر هدوءًا.

فليس المهم أن نسكت الألم فقط، بل أن نعرف لماذا حدث. فعندما يتكرر أي عرض، حتى لو بدا بسيطًا، فإن السؤال عن توقيته، والأدوية المستخدمة، والنشاط البدني، والسوائل، والأعراض المصاحبة، قد يقودنا إلى السبب، وأحيانًا يكون وراء هذا العرض البسيط أمر يمكن علاجه بسهولة.