هل تنحاز الشركات للأقل تكلفة؟.. معادلة اقتصادية جديدة لتعزيز فرص التوظيف

هل توظّف الشركات الوافد لأنه الأكفأ، أم لأنه الأقل تكلفة؟ وهل لو تساوت تكلفة توظيف السعودي والوافد، ستتغير قرارات الشركات، وتتسع فرص المواطنين، وتزداد قوة الاقتصاد الوطني؟
إن الاقتصاد لا تحكمه العواطف، ولا تُديره الأمنيات والمجاملات؛ بل تحكمه الأرقام، وتوجّهه المصالح، وترسم مساراته الحوافز والتكاليف. وحين تجد المنشأة عاملين متقاربين في الكفاءة والإنتاج، مختلفين في الأجور والالتزامات، فقد تميل إلى الأقل تكلفة، لا إلى الأعلى كفاءة.
وهنا نطرح فكرة اقتصادية تستحق الدراسة والنقاش: ماذا لو تساوت التكلفة الإجمالية لتوظيف السعودي والوافد في المهنة نفسها، وبالمؤهلات والخبرات ذاتها؟
ليس المقصود التضييق على الوافد، فهو شريك في البناء، وله حق العمل والكرامة، وإنما المقصود تمكين المواطن من المنافسة العادلة، وإعادة التوازن بين مصلحة المنشأة، ومصلحة العامل، ومصلحة الاقتصاد والدولة.
ولنضع الأرقام على طاولة الاقتصاد، بعيدًا عن العاطفة والانطباع.
ولغرض توضيح الفكرة، نفترض وجود تفاوت في الأجور بين موظفين متساويين في المؤهلات والكفاءة، مع التأكيد أن هذا المثال لا يعكس بالضرورة واقع الأجور في جميع المهن والمنشآت.
لنفترض أن شركة لديها عشرون وظيفة إدارية، متوسط راتب السعودي المناسب لها خمسة آلاف ريال شهريًا، بينما راتب الوافد ثلاثة آلاف ريال.
هنا يبلغ فارق الراتب ألفي ريال شهريًا للموظف الواحد، أي أربعة وعشرين ألف ريال سنويًا، ويصل الفارق لعشرين موظفًا إلى 480 ألف ريال سنويًا، قبل احتساب التأمينات والرسوم والمزايا الإضافية.
فماذا لو أُعيدت صياغة هذه المعادلة؟
الخيار الأول: مساواة راتب الوافد براتب السعودي.
فيتقاضى الوافد خمسة آلاف ريال بدلًا من ثلاثة آلاف، وتتحمل المنشأة التكلفة الجديدة. وهنا تتقارب الرواتب، ويتضاءل الحافز لاختيار الوافد لمجرد انخفاض أجره، لكن هذا الخيار قد يترتب عليه ارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب آثار متفاوتة على الإنفاق المحلي والتحويلات المالية، وهو ما يستدعي دراسة اقتصادية متكاملة.
الخيار الثاني: مساواة التكلفة دون رفع راتب الوافد.
فيستمر الوافد في تقاضي راتبه المتفق عليه، وتدفع المنشأة الفرق المتبقي إلى الدولة، بعد احتساب المقابل المالي والرسوم والالتزامات القائمة، ودون المساس بحقوق العامل.
ولنفترض، للتبسيط، أن التكلفة المستهدفة خمسة آلاف ريال، وأن التكلفة الإجمالية الحالية للوافد بعد الراتب والرسوم ذات الصلة تبلغ أربعة آلاف ريال؛ عندها يكون المقابل الإضافي ألف ريال شهريًا.
أي اثنا عشر ألف ريال سنويًا لكل موظف، ومائتين وأربعين ألف ريال لعشرين موظفًا، ومليونًا ومائتي ألف ريال سنويًا لكل مائة موظف.
وهذه مبالغ افتراضية للتوضيح، وليست رسومًا معتمدة أو تقديرًا موحدًا لتكاليف التوظيف.
ويبقى هذا الخيار مجرد تصور اقتصادي قابل للدراسة، وليس دعوة إلى فرض رسوم جديدة، مع ضرورة مراعاة الالتزامات القائمة وقدرة المنشآت على تحمل التكاليف.
وهنا السؤال الأهم: ماذا سيكون قرار صاحب المنشأة؟
عندما تتقارب التكلفة وتتساوى الكفاءة، قد يصبح السعودي خيارًا أكثر جاذبية؛ لما يوفره من استقرار محلي، ومعرفة بالسوق والمجتمع، وانخفاض في بعض تكاليف الاستقدام والتنقل. ولكن النتيجة ليست مضمونة؛ فقد تظل الخبرة أو الإنتاجية أو طبيعة المهنة هي العامل الحاسم، وقد تتجه بعض الشركات إلى الأتمتة أو تقليص التوظيف بدلًا من إحلال العمالة.
ولذلك فإن نجاح الفكرة لا يكون بقرار مفاجئ، ولا بتكلفة تُفرض دون تقدير للعواقب؛ بل بدراسة متأنية، وتطبيق تدريجي، ورقابة تحمي السوق من التضخم والمنشآت من التعثر.
ويمكن دراسة تطبيقها وفق ضوابط محددة:
المنشآت الكبيرة: البدء تجريبيًا بالشركات التي يتجاوز عدد موظفيها ثلاثين عاملًا، مع مراعاة حجم الإيرادات وطبيعة النشاط.
المهن المتاحة للسعوديين: الاقتصار مبدئيًا على الوظائف التي تتوافر لها كفاءات وطنية مؤهلة، واستثناء التخصصات النادرة التي يحتاج إليها الاقتصاد.
العدالة في المقارنة: تحديد تكلفة مرجعية لكل مهنة وفق المؤهلات والخبرة والمنطقة، لا اعتماد راتب واحد لجميع المهن.
منع ازدواج الرسوم: احتساب الالتزامات المالية الحالية قبل فرض أي مقابل إضافي، حتى لا تتحول المعالجة إلى عبء غير عادل.
توظيف العوائد: دراسة تخصيص حصيلة المقابل الإضافي لتأهيل السعوديين، ودعم أجورهم، وتطوير مهاراتهم، بما يحول الإيراد إلى استثمار مستدام.
قياس النتائج: متابعة نسب التوظيف الحقيقي، واستقرار العاملين، وإنتاجية المنشآت، وأثر التطبيق في الأسعار والاستثمارات.
إن المملكة قطعت أشواطًا مهمة في برامج التوطين، وتطوير سوق العمل، وتمكين الكفاءات الوطنية، وهذه الفكرة ليست بديلًا عن تلك الجهود، بل مقترح اقتصادي يمكن أن يكملها إذا أثبتت الدراسات جدواه.
فالغاية ليست أن نجعل الوافد أغلى، بل أن نجعل المواطن منافسًا عادلًا؛ وليست أن نحاصر الشركات بالتكاليف، بل أن نحفزها على الاستثمار في الكفاءات والمهارات.
ولا يمكن أن تتحقق المنافسة العادلة بالتكاليف وحدها، بل لا بد أن تتزامن مع تطوير مهارات الكفاءات الوطنية، ورفع إنتاجيتها، وتعزيز جاذبيتها لأصحاب الأعمال.
وحين تصبح تكلفة التوظيف متقاربة، ويكون المواطن مؤهلًا ومنتجًا، فإن القرار قد يتحول من البحث عن الأرخص أجرًا إلى البحث عن الأفضل أداءً والأكثر استقرارًا.
وختامًا، يبقى السؤال الذي يستحق أن يوضع أمام الاقتصاديين وصنّاع القرار:
هل يمكن أن نجعل توظيف المواطن مصلحة اقتصادية للمنشأة، كما هو مصلحة اجتماعية للأسرة، ومصلحة استراتيجية للدولة؟
إنها معادلة تستحق البحث لا الاندفاع، والتجربة لا التعميم؛ حتى نحفظ حق العامل، ونصون استقرار التاجر، ونفتح للمواطن أبواب الفرص، ونبني اقتصادًا تتوازن فيه المصالح، وتتكامل فيه الطاقات، ويكون الوطن فيه هو الرابح الأكبر.


