بين متعة الماضي وراحة الحاضر

عندما كنا صغارًا، كانت حياتنا مختلفة كثيرًا عن حياة أطفال اليوم، فقد كنا نصنع ألعابنا بأنفسنا، ونبتكر طرقًا للعب بما يتوفر لدينا، وكانت لكل لعبة متعتها الخاصة، وكأن لكل لعبة موسمًا ننتظره بشوق.
كنا نلعب الدوام والتيلة بمختلف أنواعها وطرق اللعب بها، ونلعب الوسلي أو الوصلي وغيرها من الألعاب الشعبية التي لا تزال ذكرياتها حاضرة في أذهان كثير من أبناء جيلنا، وكانت لكل لعبة أجواؤها وأصدقاؤها ومواقفها التي لا تُنسى.
لم نكن نحتاج إلى أجهزة إلكترونية أو إنترنت حتى نستمتع بوقتنا، كل ما نحتاج إليه هو مجموعة من الأصدقاء، ومساحة نلعب فيها، وقليل من الأدوات التي ربما نصنعها بأيدينا، وكنا نختلف أحيانًا على طريقة اللعب أو نتيجة المنافسة، لكننا سرعان ما ننسى الخلاف ونعود إلى اللعب من جديد.
كانت سعادتنا في تلك الأيام بسيطة، لكنها كبيرة في نفوسنا، وكنا ننتظر وقت اللعب بفارغ الصبر، وربما بقيت بعض المواقف عالقة في ذاكرتنا حتى اليوم رغم مرور عشرات السنين عليها.
أما أطفال اليوم، فقد تغيرت حياتهم كثيرًا، وأصبحت ألعاب الكمبيوتر والأجهزة الذكية جزءًا من يومهم، ويمكن للطفل أن يلعب مع أشخاص في بلدان مختلفة دون أن يلتقي بهم أو يعرف عنهم شيئًا، وقد تطورت الألعاب وأصبحت أكثر تنوعًا وإبهارًا مما عرفناه في طفولتنا.
ولا يمكننا أن ننكر ما وصل إليه العالم من تطور، وما وفرته التقنية من وسائل للترفيه والتعلم والتواصل، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل عوّضت هذه الألعاب أطفال اليوم عن متعة الاجتماع بالأصدقاء واللعب معهم وجهًا لوجه، أم أن لكل زمن متعته التي تختلف عن الزمن الآخر؟
كثيرًا ما نسمع من أبناء جيلنا من يتمنى عودة الماضي، ويقول إن أيام زمان كانت أجمل، وإن الحياة كانت أبسط، والعلاقات بين الناس أقرب إلى بعضها بعضًا، وربما كان في هذا الكلام شيء كبير من الحقيقة، لكن هل نحن مستعدون فعلًا للعودة إلى ذلك الزمن بكل تفاصيله، أم أننا نشتاق إلى الذكريات الجميلة وننسى أحيانًا ما كان يصاحبها من صعوبات؟
دعونا نتذكر أننا عشنا أيامًا لم تكن فيها مكيفات الهواء متوفرة في كل بيت كما هي اليوم، وكنا نتحمل حرارة الصيف بوسائل بسيطة، ومع ذلك مضت حياتنا وعشنا طفولتنا بما فيها من فرح ومرح.
وأنا شخصيًا أعد المكيف من أهم الابتكارات التي سهلت حياة الإنسان، وخصوصًا في المناطق الحارة مثل القطيف وتاروت، فمع حرارة الصيف التي نعرفها جيدًا، يصعب عليّ أن أتخيل العودة إلى حياة نفتقد فيها هذه الوسيلة التي أصبحت جزءًا من راحتنا اليومية.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال مهم: لو خُيّرت بين العودة إلى طفولتي بكل ما فيها من ألعاب شعبية وذكريات وأصدقاء، وبين البقاء في زمننا الحاضر بما فيه من تطور ووسائل راحة، فهل سأختار الماضي بكل تفاصيله، أم سأختار الحاضر وأكتفي بالاحتفاظ بذكرياتي الجميلة؟
أعتقد أن المسألة ليست في أن الماضي أفضل من الحاضر أو أن الحاضر أفضل من الماضي، فلكل زمن ما يميزه وما ينقصه، فالماضي يمنحنا ذكريات لا تقدر بثمن، بينما يمنحنا الحاضر وسائل راحة وإمكانات لم تكن متاحة لأجيالنا السابقة.
وربما ما نحتاج إليه اليوم هو أن ننقل إلى أبنائنا بعض ما كان جميلًا في حياتنا القديمة، وأن نمنحهم فرصة تجربة الألعاب الشعبية واللعب الجماعي والتواصل المباشر مع الأصدقاء بعيدًا عن الشاشات، ولو لبعض الوقت، وفي المقابل نستفيد من تطور عصرنا دون أن نجعل التقنية تستحوذ على كل أوقاتنا.
وفي النهاية يبقى السؤال لكم:
لو خُيّرتم بين متعة الماضي وراحة الحاضر، فأيهما تختارون؟ وهل تشتاقون فعلًا إلى العودة إلى زمن طفولتكم بكل تفاصيله، أم أنكم تفضلون البقاء في الحاضر مع الاحتفاظ بأجمل ذكريات الماضي…



