قراءة في كتاب القهوة والأدب

كتاب «القهوة والأدب: المقاهي الأدبية من القاهرة إلى باريس»
تأليف جيرار جورج لومير، ترجمة د. مي محمود، دار ألكا للنشر والتوزيع، بروكسل.
يعرض المؤلف في 232 صفحة ملامح من تاريخ القهوة والمقاهي، وتأثير القهوة شرابًا، والقهوة مجلسًا، في المشهد الثقافي والسياسي لدى المجتمعات.
اعتمد المؤلف في الكثير من الاستشهادات على كتاب عربي قديم، وهو عبارة عن رسالة بعنوان «عمدة الصفوة في حل القهوة» لزين الدين بن عبد القادر الجزيري الحنبلي، من القرن العاشر الهجري، بتحقيق المستشرق الفرنسي سلفستر دو ساسي عام 1806م. وكان الجزيري يقول عن أصل كلمة القهوة إنها تأسست على كلمة «كافتا»، أي الأوراق المعروفة بالقات، بينما يرى آخرون أن الكلمة مشتقة من «كافا»، وهي منطقة في إثيوبيا يُعتقد أنها موطن القهوة.
عن بداية اكتشاف القهوة، أشار الكاتب إلى ما كتبه الرحالة من المستشرقين في هذا الصدد، مع العلم أن هذه الأقاويل بدأت أشبه ما تكون بالأساطير، ثم تحولت، لكثرة تداولها، إلى حقائق. ومن بينهم أنطونيو نايرون، الذي قال عن اكتشاف القهوة إن أحد رؤساء الأديرة رأى يومًا عنزات تقضم أوراق شجيرة وحبوبها، وسرعان ما انتابتها حالة من الانتشاء. فقرر رجل الدين، بعد أن اندهش مما رآه، أن يتذوق هذه الثمرة ذات التأثير الخارق، ولكي يحل اللغز أعدّ منها شرابًا مغليًّا بسيطًا، ومنه تحقق اكتشاف القهوة.
وبحسب رسالة الجزيري «عمدة الصفوة في حل القهوة»، فإن بداية شيوع استهلاك القهوة كانت في القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي، في اليمن والقاهرة. وكانت الصوفية أول من استخدم هذا الشراب في مراسمهم، حيث يوزّع الشيخ القهوة على المشاركين الذين يغنّون، والشيخ يصبّ لهم القهوة طبقًا لطقوس معينة.
وحرّم الكثير من رجال الدين وقتذاك القهوة، وهاجموا المجالس التي تُقدَّم فيها في مختلف الأقطار الإسلامية، وأشار المؤلف إلى بعض الأحداث المتعلقة بتحريم القهوة بالتفصيل.
قدّم المؤلف إطلالة رائعة على المقاهي في العصر الحديث، وبالتحديد مقاهي القاهرة، مستهلًّا الحديث بقول الروائي جمال الغيطاني إن القاهري حين يحدد موعدًا إلى قاهري آخر، يقول له: «سنلتقي في مقهانا».
وبحسب المؤلف، وهذا ما يعرفه كل قراء نجيب محفوظ، فمن عساه أن يكون أفضل من نجيب محفوظ مرشدًا يقودنا إلى مقاهي القاهرة، وقد استثمر فضاء المقاهي في رواياته، مثل مقهى زقاق المدق، ومقهى الصاغة في حي الجواهرية، ومقهى عرابي في حي العباسية، وغيرها.
ألمح الكاتب إلى بدايات تأسيس فكرة وجود بيت للقهوة يقوم مقام وكالة للصحافة، وتجمّعًا أدبيًّا وبرلمانًا للفكر الحر، على الأرجح في اليمن، وبلغت ذروتها في إسطنبول.
وعن المقاهي في باريس، أشار الكاتب إلى الكثير منها، ومن أبرزها مقهى بروكوب، الذي يُعدّ المقر الملتهب للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي. وكان مالك المقهى قد وضع مكتبة عامرة فيه، وعلّق أخبار اليوم على عمود الموقد. وكانت المقاهي ميدانًا للمعارك والمناظرات الأدبية بين الشعراء والكتّاب والنقّاد.



