الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الضيافة لها أصول، فلا تُهينوا الكرم بالسؤال

د. ماهر ال سيف · القطيف اليومالثلاثاء 27 أكتوبر 2026، 6:45 م
الضيافة لها أصول، فلا تُهينوا الكرم بالسؤال

الضيافة ليست فنجانًا يُقدَّم، ولا طعامًا يُنظَّم، بل خُلُقٌ يُورَّث، وذوقٌ يُغرس، وكرمٌ يُمارَس، وبيتٌ تُعرف أصالته من حفاوة استقباله، لا من فخامة أثاثه وجمال أبوابه.

من أصول الضيافة ألّا يُخيَّر الضيف فيما هو حقٌّ له من الإكرام؛ بل يُقدَّم له الموجود قبل أن يُسأل عن المفقود. فلا تسأله: أتريد قهوةً أم شايًا؟ ولا: هل تغدّيت أم تريد غداءً؟ فقد يمنعه الحياء من الطلب، ويحرمه الخجل من الجواب. قدِّم ما عندك بطيب نفس، وبشاشة وجه، وسخاء يد؛ فإن شاء تناول، وإن شاء اعتذر، دون حرجٍ أو إصرار.

حتى ابنك الذي يسكن بعيدًا، وابنتك وزوجها إذا حلّا ضيفين، لهما حق الحفاوة والتكريم؛ فالقرابة لا تُسقط آداب الضيافة، والألفة لا تُلغي واجب اللطافة.

قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». فربط الإكرام بالإيمان، وجعل حسن الاستقبال عنوانًا للإحسان.

ورُوي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه اشترط على من دعاه: «لا تدخل عليَّ شيئًا من خارج، ولا تدّخر عني شيئًا في البيت، ولا تُجحف بالعيال». فما أروعها من حكمة! إكرامٌ بلا إسراف، وسخاءٌ بلا إتلاف، وكرمٌ لا يُرهق الأهل ولا يُثقل الكاهل.

وللضيف أيضًا أدبٌ لا يقل جمالًا عن أدب المضيف؛ فلا يخرج من البيت ليحصي أطباقه، أو ينتقص طعامه، أو يعيب استقباله. فالبيوت أسرار، والأرزاق أقدار، والظروف تتبدل بين اليسر والإعسار. ومن شكر القليل استحق الكثير، ومن صان خاطر مضيفه حفظ للمودة عبيرها وللزيارة تقديرها.

أيها الآباء والأمهات، علِّموا أبناءكم وبناتكم أن الضيافة تربية قبل أن تكون مائدة، وأن حسن الاستقبال عادة تُغرس منذ الصغر، وأن للضيف مقامًا تُفتح له القلوب قبل الأبواب.

فلا تجعلوا بيوتكم غنيةً بالأثاث، فقيرةً بالإحساس؛ ولا عامرةً بالموائد، خاويةً من المحامد.

فالضيف لا يتذكر دائمًا ماذا أكل عندك، ولكنه لا ينسى كيف استقبلته، ولا كيف ودّعته، ولا مقدار ما شعر به من محبةٍ وكرامة.

ومن لم يرث أصول الضيافة، فليتعلمها، ومن تعلمها فليُعلّمها؛ فالكرم ميراثُ أخلاق، لا ميراثُ أرزاق.