الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

موقف أمي من العلم والتعليم.. بصيرة سبقت زمنها

زكريا أبو سرير · القطيف اليومالخميس 29 أكتوبر 2026، 12:39 م
موقف أمي من العلم والتعليم.. بصيرة سبقت زمنها

ليس كل إنسانٍ يعيش زمنه قادراً على فهم تحوّلاته، وليس كل من يواكب أحداث الحياة يدرك اتجاهاتها المستقبلية؛ فهناك أناسٌ يمتلكون من رجاحة العقل وبُعد النظر ما يجعلهم يستشرفون المستقبل، ويؤمنون بأهمية التغيير قبل أن تتضح معالمه للآخرين. ومن بين هؤلاء كانت أمي، رحمها الله، التي أدركت بفطرتها الواعية أن العلم ليس ترفاً فكرياً، ولا مرحلة عابرة في حياة الإنسان، بل هو أساس بناء المستقبل، ووسيلة الارتقاء بالفرد والمجتمع، وطريق الخروج من ضيق الواقع إلى رحابة الإمكانات.

عاشت أمي في زمنٍ كانت فيه فرص التعليم النظامي محدودة، ولم تكن المدارس الأكاديمية متاحةً للجميع كما هي اليوم. وكانت الكتاتيب من أبرز الوسائل التعليمية المتوفرة في المجتمع، حيث يتعلم الصغار قراءة القرآن الكريم، وبعض الأحكام الشرعية الأساسية المرتبطة بالصلاة والصيام والطهارة. وكان يتولى هذا التعليم ما يُعرف بـ«المعلّم» أو «المعلّمة»، وغالباً ما كانت امرأة تستقبل المتعلمين في منزلها، وتحظى بمكانة اجتماعية ودينية، مقابل أجرة مالية بسيطة أو شيء من الطعام الذي كان متداولاً بين الناس في ظل ظروف المعيشة آنذاك.

وعلى الرغم من الأهمية التي أدّتها الكتاتيب في تعليم القراءة والقرآن الكريم وترسيخ المبادئ الدينية، فإنها لم تكن كافية لمواكبة متطلبات الحياة المتغيرة، ولا لتوفير المعارف والمهارات التي يحتاج إليها الإنسان في عالم يتجه نحو التطور العلمي والتقني والاقتصادي.

وفي المقابل، كانت هناك فئة من المجتمع تتخذ موقفاً سلبياً متشدداً من التعليم النظامي، ولا سيما تعليم المرأة في المدارس الحكومية، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتراض عليه من منطلقات دينية واجتماعية، وصلت أحياناً إلى اعتباره محرّماً شرعاً. وقد أسهمت تلك التصورات، التي لم تفرّق بين جوهر الدين ومتطلبات التعليم، في إعاقة فرص التعلم أمام بعض أبناء المجتمع وبناته، وحرمانهم من أبواب واسعة كان من الممكن أن تفتح أمامهم آفاقاً جديدة للحياة.

لقد كانت تلك مرحلةً صعبة من مراحل التحول الاجتماعي، حين اصطدمت الرغبة في الانفتاح على التعليم الحديث بمخاوف اجتماعية وأفكار تقاوم التغيير، وتتعامل مع المستجدات وكأنها تهديد لما اعتاده الناس، لا فرصة لتطوير حياتهم وتحسين مستقبل أبنائهم.

وفي المملكة العربية السعودية، بدأت ملامح التعليم النظامي الحديث تتشكل بصورة مؤسسية في عهد الملك عبدالعزيز، طيّب الله ثراه، مع تأسيس مديرية المعارف في مكة المكرمة عام 1344هـ، الموافق 1926م، لتتولى تنظيم شؤون التعليم والإشراف على المدارس. وكان ذلك من الخطوات المهمة في مسيرة بناء التعليم النظامي، وتهيئة المجتمع لمرحلة جديدة من مراحل التطور العلمي والمعرفي.

وسط تلك الظروف، كانت لأمي، رحمها الله، رؤية مختلفة؛ فقد انحاز فكرها منذ البداية إلى العلم، ووقفت بوعيها وفطرتها مع مسيرة التعليم، مؤمنةً بأن الحياة تتغير، وأن الإنسان الذي لا يستعد لمتغيراتها قد يجد نفسه عاجزاً عن مواكبتها.

كانت ترى أن العمل اليدوي أو التجاري، على أهميتهما في بناء حياة الإنسان وتأمين معيشته، لا ينبغي أن يكونا بديلاً عن التعليم، بل يمكن أن يكونا رافدين له، وأن الجمع بين العلم والعمل هو الطريق الأقدر على بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

ولم تكن أمي تنظر إلى الشهادة العلمية باعتبارها ورقةً تُعلّق على الجدار، أو وجاهةً اجتماعية يتباهى بها الإنسان أمام الآخرين؛ بل كانت تدرك أن وراءها معرفةً توسّع مدارك العقل، وخبرةً تعين الإنسان على فهم الحياة، وفرصاً تفتح أمامه أبواب العمل والتقدم. وكانت تؤمن بأن التعليم يمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قرارات أكثر وعياً، ويجعله أقدر على التعامل مع تحولات الزمن بدلاً من الوقوف عاجزاً أمامها.

ومن هنا، كان موقفها صارماً تجاه كل من يقف في طريق العلم، ولا سيما التعليم النظامي. وكانت تصف المعارضين له، في شدة استغرابها من مواقفهم، بأنهم «مجانين»، ثم تردد عبارتها التي لا تزال عالقةً في ذاكرتي إلى اليوم:

«يفكروا هؤلاء الحياة واقفة عليهم!»

كانت تقولها مستنكرةً تلك العقلية التي تتصور أن الحياة ستظل على صورتها القديمة، وأن ما اعتاده الناس في زمنٍ ما سيبقى صالحاً لكل الأزمنة. وكانت تقصد أولئك الذين غفلوا عن التحولات المتسارعة، ولم يدركوا أن الزمن لا ينتظر المترددين، وأن المجتمعات التي لا تتسلح بالعلم والمعرفة قد تجد نفسها متأخرةً عن ركب التطور.

وقد ازدادت قناعتها أهميةً مع التحولات الكبيرة التي شهدها المجتمع بعد الطفرة النفطية، وما صاحبها من تغيرات في أنماط المعيشة والعمران والصناعة والزراعة والاقتصاد. فقد أخذت الحياة تتجه نحو آفاق جديدة، وظهرت احتياجات لم تكن مألوفةً في السابق، وأصبح التعليم أكثر ارتباطاً بفرص العمل والتخصص والقدرة على المشاركة في بناء المجتمع.

ولعل ما يلفت النظر في موقف أمي أنها لم تكن بحاجة إلى شهادات أكاديمية أو ثقافة نظرية واسعة حتى تدرك أهمية التعليم؛ فقد امتلكت من التجربة الحياتية والفطرة السليمة وبُعد النظر ما جعلها تفهم أن المستقبل لا يُبنى بالأمنيات وحدها، وأن الإنسان لا يستطيع مواجهة متطلبات الحياة المتجددة بعقلٍ يرفض التعلم والتطور.

وهنا تكمن عظمة فكرها؛ إذ لم تكن تقيس الأمور بما ألفه الناس في الماضي، وإنما بما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من تغيرات وفرص وتحديات. لقد أدركت أن احترام الماضي لا يعني الارتهان له، وأن المحافظة على القيم الأصيلة لا تتعارض مع الأخذ بأسباب العلم والتقدم.

وكانت أمي، رحمها الله، لا تكتفي بإبداء رأيها في أهمية التعليم، بل كانت تجعل منه قضيةً تربوية أساسية في حياتنا الأسرية. فقد دأبت على حث أبنائها وأحفادها على مواصلة دراستهم، وبذل أقصى ما يستطيعون من جهد في سبيل تحصيل العلم، وكانت تحرص على أن تغرس في نفوسهم الإيمان بأن التعليم من أهم الوسائل التي تساعد الإنسان على تغيير واقعه والارتقاء بحياته.

كانت تؤمن بأن الإنسان قد يولد في ظروف صعبة، وقد تحاصره قلة الإمكانات وضيق المعيشة، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون حكماً نهائياً على مستقبله؛ فبالعلم والاجتهاد والمثابرة يستطيع أن يفتح لنفسه أبواباً لم تكن متاحةً أمامه من قبل.

ولذلك، كانت تحارب الأفكار التي تدعو إلى مقاطعة المدارس أو التقليل من شأن التعليم، وتواجهها بكل ما تملك من إصرار وقوة. وكانت تروي لنا قصصاً ومواقف متعددة تحثنا من خلالها على طلب العلم والمثابرة في تحصيله، وتعلمنا أن طريق النجاح لا يخلو من الصعوبات، وأن الوصول إلى الغايات يحتاج إلى الصبر والاستمرار، لا إلى الاستسلام عند أول عقبة.

ولعل من أكثر المواقف رسوخاً في ذاكرتي تلك الأيام التي كان يحل فيها الشتاء بقسوته وبرودته وأمطاره الغزيرة، حين كانت الظروف الجوية تجعل الخروج من المنزل أمراً شاقاً، ولا سيما أن وسائل المواصلات لم تكن متاحةً لنا، وكانت المدرسة بعيدةً عن منزلنا.

أتذكر جيداً مدرستنا، مدرسة المهلب بن أبي صفرة، وما كان يحيط بطريق الوصول إليها من مشقة؛ فالشوارع لم تكن معبّدة كما هي اليوم، وكانت تتحول عند هطول الأمطار إلى مساحات من الطين والمياه، فتزداد صعوبة السير فيها، ويصبح الوصول إلى المدرسة تحدياً حقيقياً.

ومع كل تلك الظروف، لم تكن أمي تغيّر عادتها في إيقاظنا باكراً، وتجهيزنا للاستعداد للذهاب إلى المدرسة. لم تكن تسمح لقسوة الطقس بأن تتحول إلى سببٍ للتخلف عن الدراسة، ولم تكن ترى في برودة الجو أو غزارة المطر مبرراً كافياً للتراجع عن واجبنا التعليمي.

وكنا، بحكم صغر سننا، نحتج عليها أحياناً، ونقول لها مستغربين:

أمي، كيف نذهب إلى المدرسة في مثل هذه الأجواء؟ وكيف سنصل إليها وسط البرد والمطر والطرقات الموحلة؟

لكنها لم تكن تستسيغ هذه الأعذار، ولم تكن تريد أن نعتاد الاستسلام أمام الصعوبات. فكانت تواجه احتجاجنا بكلمات تحمل من الحزم بقدر ما تحمل من الخوف على مستقبلنا، وتقول لنا ما معناه إن الاستسلام لمثل هذه المبررات سيجعلنا نفقد قيمة العلم، ونضيّع فرصتنا في التعلم والحصول على الشهادات العلمية، ثم نكبر من دون أن نمتلك ما يعيننا على مواجهة الحياة، ونجد أنفسنا نتخبط في الشوارع بحثاً عن فرصٍ لم نُعِدّ أنفسنا لها.

كانت كلماتها، وإن بدت لنا في طفولتنا قاسيةً أحياناً، تنبع من قلب أمٍّ تخشى على أبنائها من مستقبلٍ لا يرحم من أهمل الاستعداد له. لم تكن تريد لنا مجرد الذهاب إلى المدرسة في ذلك الصباح البارد، بل كانت تريد أن تعلّمنا درساً أكبر من حدود المكان والزمان: أن الطريق إلى المستقبل قد يكون شاقاً، لكن مشقته لا تبرر التخلي عنه، وأن قيمة الهدف تظهر حين نتمسك به رغم العوائق.

ومع مرور السنوات، أدركت أن تلك المواقف لم تكن مجرد إصرار أمٍّ على انتظام أبنائها في الدراسة، بل كانت جزءاً من منهج تربوي متكامل، أرادت من خلاله أن تزرع فينا الانضباط وتحمل المسؤولية، وأن تعوّدنا مواجهة التحديات بدلاً من البحث عن الأعذار.

لقد كانت أمي تربي فينا العقلية التي تنظر إلى الصعوبة بوصفها تحدياً يمكن تجاوزه، لا جداراً يستحيل عبوره. وكانت تعلّمنا، من دون دروس نظرية أو محاضرات طويلة، أن الإنسان الذي يريد الوصول إلى غايته لا بد أن يدفع ثمنها من جهده وصبره ومثابرته.

وإذا كانت المدرسة تمنح الطالب المعارف والمعلومات، فإن أمي كانت تمنحنا في المنزل درساً موازياً في الإرادة والالتزام والإيمان بالمستقبل. لقد كانت تدرك أن نجاح الأبناء لا يعتمد على ما يتلقونه داخل الفصول الدراسية وحدها، بل يتأثر أيضاً بما يتشربونه في بيوتهم من قيم، وما يجدونه من تشجيع ومتابعة، وما يتلقونه من توجيهٍ يعينهم على الاستمرار حين تشتد الصعوبات.

ومن هنا، لم يكن موقفها من العلم موقفاً عابراً أو رأياً تقوله في مجلس ثم تنساه، بل كان قناعةً راسخةً تجسدت في سلوكها اليومي، وظهرت في قراراتها وتضحياتها ومتابعتها لشؤون أبنائها. كانت تؤمن بأن الأم الواعية تستطيع أن تصنع فارقاً كبيراً في مستقبل أبنائها، حتى وإن لم تكن تملك المال الوفير أو الإمكانات الكبيرة؛ لأن الكلمة الصادقة، والتوجيه الحكيم، والإصرار على الطريق الصحيح، قد تكون من أعظم ما تقدمه الأسرة لأبنائها.

وكلما استعدت تلك الذكريات، ازددت يقيناً بأن أمي، رحمها الله، لم تكن تهيئنا لامتحانات المدرسة فحسب، بل كانت تهيئنا لامتحانات الحياة. كانت تريدنا أن نفهم حاضرنا، وأن نقرأ تحولات مجتمعنا، وأن نستعد لمستقبلنا، وألا نكون أسرى أفكارٍ تجاوزها الزمن أو عاداتٍ لم تعد قادرةً على الاستجابة لمتطلبات الحياة.

لقد كانت أمي تملك بصيرةً سبقت زمنها؛ فحين انشغل بعض الناس بالخوف من التعليم، كانت هي تفكر فيما سيمنحه العلم لأبنائها من فرص. وحين رأى آخرون في المدرسة عبئاً لا ضرورة له، كانت ترى فيها نافذةً إلى مستقبل أفضل. وحين ظن بعضهم أن الحياة ستبقى كما عرفوها، كانت تردد عبارتها العميقة: «يفكروا هؤلاء الحياة واقفة عليهم!»

رحمكِ الله يا أمي، يا من كنتِ لنا الأم الحانية، والمربية الصابرة، والناصحة الأمينة، والمرشدة التي لم تتوقف عن أداء رسالتها ما دامت في الحياة أنفاس.

لقد بذلتِ من صحتكِ ومالكِ وراحتكِ الكثير في سبيل تربية أبنائكِ، والحفاظ على أسرتكِ من الضياع والتشتت، ولم تدخري جهداً في توجيهنا نحو ما كنتِ ترينه خيراً لنا. كنتِ تضحيـن براحتكِ من أجل راحتنا، وتتحملين المشقة حتى نتمكن من مواصلة الطريق، وتصرّين على تعليمنا حين كان الاستسلام يبدو لنا أسهل من المواجهة.

واليوم، بعد رحيلكِ، ندرك أكثر من أي وقت مضى أن بعض الدروس لا تتضح عظمتها إلا حين نستعيدها من ذاكرة الفقد، وأن بعض الكلمات تظل حيةً في وجداننا مهما غاب أصحابها. لقد رحل الجسد، لكن صوتكِ ما زال يسكن ذاكرتنا، وتوجيهاتكِ ما زالت تضيء لنا الطريق، وعبارتكِ التي كنتِ ترددينها ما زالت تختصر لنا فلسفةً كاملةً في فهم الحياة وتغيراتها.

أمي الحبيبة، لم تكوني صاحبة شهادات أكاديمية، لكنكِ كنتِ صاحبة فكرٍ واعٍ، وبصيرةٍ نافذة، وحكمةٍ صنعتها التجربة، وصقلها الحرص على مستقبل أبنائكِ. وآمنتِ بحقهم في التعلم حين كان هذا الحق موضع جدلٍ واعتراض لدى بعض الناس.

وذلك، في نظري، من أعظم صور العلم التي يمكن أن تقدمها أمٌّ لأبنائها: أن تعرف قيمة المعرفة، وتؤمن بقدرتها على تغيير الحياة، وتجعل من هذا الإيمان رسالةً تعيش من أجلها، وتغرسها في نفوس من تحب.

سلامٌ على روحكِ الطاهرة يا أمي، وسلامٌ على كل خطوةٍ مشيتِها من أجلنا، وكل دمعةٍ أخفيتِها خوفاً على مستقبلنا، وكل نصيحةٍ قدمتِها لنا بمحبةٍ وإخلاص.

رحمكِ الله رحمةً واسعة، وجزاكِ عنا خير الجزاء، وحشركِ مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين. ستبقين في ذاكرتنا مدرسةً لا تُغلق أبوابها، وسيبقى موقفكِ من العلم والتعليم شاهداً على أن عظمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله من شهادات فحسب، بل بما يمتلكه من وعيٍ وحكمة، وبما يتركه في حياة الآخرين من أثرٍ طيبٍ لا يمحوه الزمن.