حين نحمل الأخلاق خارج الوطن

يبدو أن سلوك بعض الأشخاص تجاه النظام والنظافة قد يتغير بمجرد عبور حدود الوطن، إذ يصبحون أكثر التزامًا بالأنظمة والتعليمات في البلدان التي يزورونها، ويحرصون على احترام الأماكن العامة واللوحات الإرشادية، في حين قد يتساهلون في الالتزام بالسلوكيات نفسها داخل وطنهم.
فالإنسان هو نفسه، لا يتغير اسمه بين المنافذ، وإنما الذي قد يتغير هو مستوى التزامه بالنظام والقانون. ففي المدن التي يشعر فيها بوجود رقابة فاعلة على المخالفات، يصبح أكثر حرصًا على تصرفاته، فيلتقط ما يسقط من يده، ويبحث عن سلال المهملات، ويحترم الطابور، ويخفض صوته، ويترك المكان نظيفًا، وربما أنظف مما وجده، وكأنه يستحضر ضميرًا لم يكن يمنحه الاهتمام نفسه داخل وطنه!
وهنا أتساءل: كيف يقبل الإنسان أن يبدّل سلوكه بمجرد أن يغادر بلده؟ ولماذا لا يحرص على الالتزام ذاته داخل وطنه؟ فقد تراه يلتزم بالنظام في بلد يزوره، لكنه يتساهل في تطبيقه في البلد الذي وُلد وترعرع فيه، وكأن المحافظة على المرافق العامة ليست مسؤولية مشتركة، بينما يحرص في البلدان الأخرى على احترام القوانين والذوق العام، ويتجنب كل ما قد يخلّ بالنظام أو النظافة.
وفي وطننا، نلحظ بعض التصرفات الفردية التي لا تنسجم مع أهمية المحافظة على نظافة الأماكن العامة، فقد يخرج أحدهم من منزله حاملًا كيس القمامة، لكنه لا يضعه في المكان المخصص له، بل يتركه في الشارع دون اكتراث. وأثناء القيادة، قد نشاهد من يلقي مخلفات التدخين والعلب الفارغة وغيرها من نافذة سيارته، وكأن الشارع مكان للتخلص من النفايات! ويؤلمنا أن نرى في بعض الطرقات علب السجائر الفارغة وأكواب القهوة والمخلفات المتناثرة، رغم ما يُبذل من جهود للمحافظة على نظافة الأماكن العامة.
وعلى الواجهات البحرية، خصصت البلديات أماكن وحاويات لجمع المخلفات، غير أن بعض مرتادي هذه المواقع يتركون وراءهم بقايا الطعام والعبوات والأكياس والصحون البلاستيكية والمناديل الورقية على المسطحات الخضراء، فتبدو آثار هذه التصرفات واضحة في الصباح، وتتناثر المخلفات هنا وهناك، في انتظار عمال النظافة لجمعها ونقلها إلى الأماكن المخصصة لها، مع أن المحافظة على نظافة المكان مسؤولية تبدأ من مستخدميه.
ومن المفارقات أن بعض الأشخاص يحرصون خلال سفرهم على احترام الأنظمة في المطارات والمدن التي يزورونها، لكنهم حين يعودون إلى وطنهم قد يتساهلون في سلوكياتهم، ويتصرفون أحيانًا كما لو أن الأماكن العامة لا تستحق القدر نفسه من العناية، أو أن الشارع ليس ملكًا مشتركًا للجميع، أو أن الرصيف مساحة يمكن استخدامها دون مراعاة حقوق الآخرين. وقد تظهر مثل هذه التصرفات أيضًا في بعض المناسبات الاجتماعية، حين يغيب الاهتمام بالنظام والنظافة واحترام المكان.
فالوطن ليس أقل استحقاقًا للجمال والنظافة من المدن البعيدة التي نزورها، ولا تقتصر المسؤولية على وجود القوانين والأنظمة وتطبيقها، بل تمتد إلى مستوى الوعي والالتزام الذاتي بها. فهناك فرق بين من يحترم النظام خوفًا من العقوبة، ومن يحترمه انطلاقًا من قناعته بأهميته. والأخلاق الحقيقية تتجلى حين يلتزم الإنسان بالسلوك الصحيح، سواء وُجد من يراقبه أم لم يوجد، فالرقي الحضاري يبدأ حين يصبح الإنسان رقيبًا على تصرفاته، ويستشعر مسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.
ختامًا، حين يعتاد بعض الناس على رؤية الفوضى ويتساهلون في التعامل معها، فقد تتحول مع مرور الوقت إلى سلوك مألوف يصعب تغييره. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي والمسؤولية الفردية، وترسيخ احترام الأماكن العامة بوصفه قيمة أخلاقية ووطنية. فمن مظاهر رقي الأمم الطريقة التي يتعامل بها أفرادها مع مرافقها وأماكنها العامة، فهي إحدى الصور التي تعكس وعي المجتمع وثقافته، ومدى حرص أفراده على المحافظة على وطنهم وجماله.



