حمارة الفلاح والبحار!

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}.
ضرب القرآن الكريم مثلًا بالحمار في آياتٍ عديدة من القرآن الكريم:
"وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" ﴿١٩ لقمان﴾.
"... وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى …" ﴿٢٥٩ البقرة﴾.
"وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" ﴿٨ النحل﴾.
"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ﴿٥ الجمعة﴾.
"كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ" ﴿٥٠ المدثر﴾.
عملَ الكثير من رجال الجيل القديم في جزيرة تاروت إما في الفلاحة أو البحر، منهم والدي رحمه الله تعالى، الذي منذ أن خرجت إلى الدنيا رأيته يعمل في صيد الأسماك من البحر القريب في سنابس، أحد مناطق جزيرة تاروت وفي الفلاحة أيضًا.
تبعد سنابس التي ينزل منها والدي رحمه الله وأصحابه إلى "الحضرة" وهي مكان في البحر مسيج بجريد النخل عن تاروت الأم عدة كيلومترات. لم يكن الطريق من تاروت إلى سنابس مضاءً بالكهرباء آنذاك، إنما كان طريقًا غير مرصوف يمر من فوقه الناس راجلين، أو على دوابهم، حتى أن أكثر الناس كانوا يخشون المرور منه لشدة الظلام وكون المقبرة تقع في نقطة المنتصف تقريبًا.
الحمارة - أكرمكم الله - تعرف الطريق خطوةً خطوة سواء كان البحّار مستيقظًا أم نائمًا وعندما تنزل من اليابسة إلى البحر تعرف طريقها بقليل من الإرشاد. تنتهي مهمة صيد الأسماك ويرتقيهَا البحار فوق قطعة لوح عريض تسمى "المستراح". تغشى الراكب بعض نوبات النوم في الطريق إلا أن الحمارة تعود إلى النقطة التي انطلقت منها.
حيوان يخدم الإنسان ويعمل دون أن يشتكي. غالبًا ما يقسو الإنسان على الحمار مع أنه مسخر لخدمته ولو اراد أن يفتك بالإنسان فهو قوي جدًّا.
غاية المرام: خلق الله الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا فما لبعض من البشر يرفض هذا التفضيل ويهبط إلى مستوى مخلوقات أدنى منه درجات؟ {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}. الخيل والبغال والحمير لها عقول محدودة مجبورة على ما تفعل، أما الإنسان فلا حدود لعقله إلا بما وضع لنفسه من حدّ!
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"! بماذا كرمنا الله سبحانه وتعالى؟ ما هي حدود تكريمه لنا؟ متى ينزع هذا التكريم؟



