الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قراءة في كتاب "نظام التفاهة" التعليم وصناعة الإنسان التافه

صُبرةالسبت 24 يناير 2026، 9:00 ص
قراءة في كتاب "نظام التفاهة" التعليم وصناعة الإنسان التافه

منتظر الشيخ

ليس ما نراه اليوم في مدارسنا وجامعاتنا أمراً يمكن تفسيره بالصدفة، ولا ظاهرة عارضة يكفي لعلاجها إصلاح إداري أو تغيير في اللوائح. بل هو، في جوهره، مما نبه إليه الكندي آلان دونو في كتابه المعروف “نظام التفاهة”، حين وصف كيف تتحول المؤسسات الحديثة، باسم الكفاءة والتنظيم، إلى أدوات لإنتاج إنسان محدود الأفق، مطيع، ماهر في الوسائل، فقير في الغايات.

فالتعليم، كما يبدو في كثير من تجاربه المعاصرة، لم يعد يسعى إلى تكوين العقل الحر ولا إلى تربية الحس النقدي، بقدر ما يسعى إلى ضمان سير العملية وفق نماذج جاهزة، تقاس بالأرقام وتراقب بالمنصات.

وغدا المعلم، في هذا الإطار، جزءاً من الآلة أكثر مما هو قائد لها، يحاسب على ما ينجزه من نماذج، لا على ما يتركه من أثر.

وهكذا نجد المعلم محاطاً بسلسلة لا تنتهي من الإجراءات، يستهلك معها وقته وجهده، حتى يكاد ينسى الغاية التي من أجلها دخل الصف أول مرة. فهو مطالب بالتوثيق قبل الحوار، وبالامتثال قبل السؤال، وبالسرعة قبل التروي، وفي هذا كله، يتراجع التعليم بوصفه فعلاً إنسانياً، ويتقدم بوصفه وظيفة تقنية.

ومن رحم هذه المنظومة، ينشأ ما سماه دونو بـ “الخبراء التافهين”: أناس يتقنون أعمالهم إتقاناً دقيقاً، لكنهم لا يقفون عند معناها، ولا يسائلون موقعها من الإنسان والمجتمع. يعرفون كيف يعمل النظام، لكنهم لا يسألون لماذا يعمل، ولا لمن يعمل. وهي معرفة، على دقتها، معرفة منزوعة الروح.

وليس في هذا ما يدل على تسلط فظ أو قهر ظاهر، فالسيطرة هنا أنعم من ذلك، وأقرب إلى الإرهاق البطيء. إرهاق ينهك المعلم والطالب معاً، حتى يصبح التفكير عبئاً إضافياً، ويغدو السؤال مخاطرة غير مأمونة. وهكذا يعاد تعريف التفوق، لا بوصفه فهماً ووعياً، بل بوصفه توافقاً مع المعيار، ونجاحاً في الاختبار.

على أن هذا التشخيص، على قسوته، لا يدعو إلى اليأس. فكما أن النظام يعمل في صمت، فإن مقاومته الممكنة تعمل في الصمت أيضاً. مقاومة قوامها الوعي بطبيعة ما يجري، وبحدود ما يمكن فعله داخله، أن يؤدي المعلم ما يطلب منه، من غير أن يسمح للإجراء أن يبتلع المعنى، ولا للنموذج أن يمحو الإنسان.

وفي تلك المساحة الضيقة، التي لا تزال تفلت من قبضة التنظيم الكامل، يمكن للتعليم أن يستعيد بعض كرامته.

هناك، بين معلم وطالب، يمكن أن يقال إن العلم ليس أداة للوظيفة وحدها، بل وسيلة لفهم العالم ومساءلته، وإن النجاح الحق ليس في أن يكون الإنسان صالحاً لكل نظام، بل في أن يكون قادراً على رؤيته، ونقده، والاحتفاظ بمسافة إنسانية منه.