أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

“صرنا مثل العبيد”.. بحّارة القطيف يستغيثون بالملك عبدالعزيز

صُبرةالأربعاء 1 يوليو 2026، 9:00 ص
“صرنا مثل العبيد”.. بحّارة القطيف يستغيثون بالملك عبدالعزيز

القطيف: صُبرة

خلف صورة الغواص الذي يعود من البحر تختبئ حكايات أخرى أقل بريقاً وأكثر قسوة. ومن بين تلك الحكايات وثيقة نادرة يحتفظ بنسخة منها الشاعر والمؤرخ عدنان العوامي.

وتكشف الوثيقة النادرة شكوى رفعها تسعة من بحّارة القطيف إلى الملك عبدالعزيز عام 1358هـ الموافق 1939م، وصفوا فيها أوضاعهم بعبارة مؤلمة: «صرنا مثل العبيد المماليك».

الوثيقة، المحفوظة ضمن أرشيف العوامي، تفتح نافذة على جانب اجتماعي واقتصادي من حياة الغوص في السنوات الأخيرة التي سبقت أفول عصر اللؤلؤ. ففي الوقت الذي ارتبطت فيه مهنة الغوص بالرزق والثراء في المخيلة الشعبية، عاش كثير من البحّارة واقعاً مختلفاً شكّلته الديون المتراكمة والالتزامات المالية التي ظلت تلاحقهم موسماً بعد آخر.

وبحسب نص الشكوى، كان البحّارة يحصلون قبل انطلاق رحلات الغوص الطويلة على مبالغ مالية لإعالة أسرهم خلال أشهر الغياب في البحر. وتُسجل تلك المبالغ في حساباتهم على أن تُخصم لاحقاً من حصصهم بعد بيع محصول اللؤلؤ عند انتهاء الموسم. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الالتزامات إلى عبء ثقيل على عدد من العاملين في المهنة، حتى أصبح كثير منهم يدور في دائرة متواصلة من الديون.

ويكشف نص الوثيقة أن البحّارة رأوا في دفاتر الحسابات أداة تمنح النواخذة نفوذاً واسعاً على العاملين معهم. فقد كتبوا في شكواهم أن ما يُسجل عليهم من زيادات وديون يبقى ملزماً لهم، الأمر الذي جعلهم يشعرون بأنهم عاجزون عن الخلاص من أعباء مالية تتوارثها المواسم.

ولم تقتصر الشكوى على الديون وحدها، بل امتدت إلى مجلس الغوص، وهو الجهة المعنية بالنظر في شؤون المهنة وما يرتبط بها من نزاعات. وتوضح الوثيقة أن البحّارة كانوا ينتظرون إعادة تشكيل المجلس بعد صدور أمر ملكي بذلك، إلا أن أوضاعهم بقيت على حالها وفق ما ورد في نص الاستغاثة.

ومن أبرز ما تضمنته الشكوى مطالبة البحّارة بأن يكون لهم دور في اختيار أعضاء مجلس الغوص، وأن تضم عضويته شخصيات بعيدة عن المصالح المباشرة المرتبطة بأعمال الغوص، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة والتمثيل.

وتكتسب الوثيقة قيمة إضافية لوجود اسم الشاعر أحمد بن سلمان الكوفي بين الموقّعين عليها. فقد عمل الكوفي في الغوص سنوات طويلة قبل أن يصبح أحد أبرز شعراء القطيف، لتبقى توقيعاته وتوقيعات رفاقه شاهدة على تجربة عاشها أبناء الساحل في مرحلة كانت فيها حياة الناس مرتبطة بالبحر وتقلباته.

الشاعر أحمد الكوفي في أواخر حياته

ويورد العوامي في بحثه وثيقة أخرى لاحقة تشير إلى وجود مجلس للغوص في القطيف، كان خالد محمد الفرج، أول رئيس لبلدية القطيف في العهد السعودي، على رأسه. وتمنح هذه الإشارة لمحة عن الجهود التي شهدتها تلك المرحلة لتنظيم شؤون المهنة التي شكلت لعقود طويلة عماد الاقتصاد المحلي في المنطقة.

وبعد أكثر من ثمانية عقود، تبقى هذه الورقة القديمة واحدة من الشواهد النادرة على معاناة بحّارة القطيف قبل النفط، وعلى مرحلة تاريخية صنعتها أمواج الخليج بقدر ما صنعتها أحلام الرجال الذين ركبوا البحر بحثاً عن الرزق، وحملوا معهم إلى اليابسة قصصاً لا تقل قيمة عن اللؤلؤ الذي سعوا إليه.

بلدات:القطيف