شريط الصحراء الغربي آخر ملاذات الثعلب في القطيف

القطيف: صُبرة
في ساعات الليل، وبين هدوء المزارع غرب بلدة الجارودية، رصد المواطن وسام عبدرب الأمير ثعلبًا يتجول بالقرب من محيط مستشفى القطيف المركزي.
لم يمكث طويلًا؛ توقف لحظات، ثم اختفى بين الأشجار والأراضي المفتوحة، لكن المشهد الذي وثقه بعدسته كان كافيًا ليفتح بابًا على قصة أكبر من مجرد مشاهدة عابرة.

إنها قصة كائن فطري ما زال يقاوم من أجل البقاء في محيط محافظة القطيف.
ولم تكن هذه المشاهدة الأولى. فبين فترة وأخرى، يتداول مواطنون صورًا ومقاطع فيديو لثعالب شوهدت في مواقع مختلفة، من بينها محيط كورنيش القطيف، فيما تشير المشاهدات الميدانية التي جمعتها «صُبرة» إلى أن وجودها يتركز في الشريط الغربي للمحافظة، الممتد من غرب صفوى، مرورًا بالعوامية والقديح والجارودية والجش وأم الحمام، وصولًا إلى الأطراف الغربية لحي دانة الرامس.
ويبدو أن هذا الامتداد يمثل آخر ما تبقى من الموائل الطبيعية التي تستطيع الثعالب العيش فيها، حيث ما تزال المزارع والأراضي المفتوحة والغطاء النباتي توفر لها المأوى والغذاء بعيدًا عن الكثافة العمرانية.

ولدى «صُبرة» أيضًا صور ومقطع فيديو يوثقان النهاية المؤلمة لأحد هذه الثعالب، بعدما تعرض للدعس على طريق كوبري صفوى – المطار، في حادثة تذكر بأن الطرق الحديثة أصبحت من أكبر الأخطار التي تواجه الكائنات الفطرية، بعدما قطعت كثيرًا من مساراتها الطبيعية.

والثعلب ليس ضيفًا على القطيف، بل أحد سكانها القدامى. عاش في هذه البيئة قبل أن تمتد إليها الأحياء السكنية والطرق الحديثة، ولذلك فإن ظهوره اليوم على أطراف العمران لا يعني أنه اقترب من الإنسان، بقدر ما يعني أن العمران اقترب من آخر الموائل التي ما زال يجد فيها مكانًا للحياة.

ويعرف الثعلب بحذره الشديد واعتماده على النشاط الليلي، لذلك نادرًا ما يشاهد نهارًا، ويبتعد عن الإنسان كلما شعر بوجوده، وهو ما يفسر أن معظم المشاهدات لا تستغرق سوى ثوانٍ قبل أن يختفي بين الأشجار أو الأعشاب.

ولا تقتصر أهمية الثعلب على كونه أحد الكائنات الفطرية في القطيف، بل يؤدي دورًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن البيئي. فهو يتغذى على القوارض والحشرات وبعض الزواحف والكائنات الصغيرة، ويساعد على الحد من تكاثرها بصورة طبيعية، مما يسهم في استقرار السلسلة الغذائية ويحافظ على صحة البيئة الزراعية والطبيعية.

ولهذا، فإن وجود الثعلب يعد مؤشرًا على استمرار التنوع الحيوي في المنطقة، بينما قد يشير تراجعه أو اختفاؤه إلى تغيرات تطاول البيئة الطبيعية التي عاش فيها لعقود طويلة.
ولعل أجمل ما في هذه المشاهدات أنها تذكر أهالي القطيف بأن الحياة الفطرية لم تغادر المحافظة بالكامل بعد، وأن هناك كائنات ما زالت تشارك الإنسان المكان بصمت، من دون أن تبحث عن صدام أو لفت للانتباه.

ولذلك، فإن احترام الثعلب وعدم مطاردته أو إيذائه، والمحافظة على ما تبقى من البيئات الطبيعية في غرب المحافظة، لا يعنيان حماية كائن واحد فحسب، بل حماية جزء من ذاكرة المكان، وإرثه البيئي، وتوازنه الطبيعي.

وربما يبقى السؤال الأهم: إذا اختفى الثعلب يومًا من أطراف القطيف، فهل سنكون قد فقدنا كائنًا فطريًا فقط، أم سنكون قد فقدنا شاهداً مهماً على ما تبقى من الحياة الفطرية في المحافظة؟



