الحقيقة كانت موجودة… لكنها لم تكن حاضرة

بثينة النصر
في بداية هذا العام، سألني ابني سؤالاً بدا بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه ظل يتردد في ذهني طويلاً:
ـ “ماما، هل أنتِ أكيدة بأنكِ أول سيدة تقدم نشرة الأخبار تلفزيونياً في تاريخ المملكة؟”
لم يكن السؤال تشكيكاً، بقدر ما كان انعكاساً لعصر جديد لا يعترف بما هو محفوظ في الأدراج، بل بما هو حاضر وقابل للوصول والتحقق على شاشات الهواتف الذكية.
في تلك اللحظة أدركت فجوة لم أنتبه إليها من قبل: ماذا يحدث للحقائق والإنجازات عندما لا تُوثَّق رقمياً؟
بدأت رحلة بحث بين ملفات قديمة نامت سنوات طويلة في الأدراج والصناديق الورقية. شهادات، وصور، وخطابات، وقصاصات صحف، ووثائق توثق محطات مهنية امتدت لعقود. كنت أبحث عن إجابة لسؤال ابني، لكنني وجدت نفسي أمام سؤال أكبر بكثير.
اكتشفت أن جزءاً مهماً من مسيرتي المهنية، بل ومن ذاكرة مرحلة كاملة من الإعلام العربي، يكاد يكون غائباً عن الإنترنت. ليس لأن تلك الأحداث لم تقع، بل لأنها وقعت في زمن سبق التحول الرقمي، وبقيت حبيسة الأرشيفات الورقية التي يصعب الوصول إليها اليوم.
وخلال هذه الرحلة، راودني تساؤل آخر: لماذا يبدو الوصول إلى المعلومات والأرشيفات القديمة في كثير من المواقع الأجنبية أسهل وأكثر ثراءً مما هو عليه في عالمنا العربي؟
قادني البحث إلى حقيقة مفادها أن الأرشفة الرقمية في كثير من الدول الغربية ليست عملاً ثانوياً، بل جزء من ثقافة مؤسسية تتعامل مع الأرشيف باعتباره أصلاً استراتيجياً وثروة معرفية ووطنية.
في المقابل، ركزت كثير من مواقعنا العربية على النشر اليومي السريع، دون أن تحظى استدامة المحتوى وحفظ الذاكرة بالاهتمام الكافي الذي تستحقه.
لكن وسط كل هذه الملاحظات، وجدت نفسي أمام مراجعة شخصية صريحة، لقد أدركت أن أحد أكبر الأسباب التي أخّرت إبراز بعض محطات تجربتي لم يكن نقص الإنجاز، بل ضعف التوثيق.
ولعل أهم درس تعلمته من هذه التجربة هو أن التوثيق ليس نقيضاً للتواضع! هناك فرق شاسع بين التواضع، وبين إهمال الإنجازات والتجارب حتى تندثر بمرور الزمن. فالتوثيق ليس تباهياً، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة، وحفظ للأثر، وضمان لوصوله إلى الأجيال القادمة.
عدم توثيق الإنسان لعمله وإنجازاته هو ظلم لنفسه قد يحرم الآخرين من معرفة الحقيقة كاملة، وقد يجعل ما كان واضحاً في زمنه أكثر عرضة للغياب أو سوء الفهم مع مرور السنين.
لهذا بدأت بتطوير مهاراتي الرقمية، وحصلت على شهادة Google AI Essentials، وأعدت بناء حضوري المهني على المنصات الرقمية الاحترافية، ثم أطلقت موقعي الرسمي ليكون أرشيفاً مفتوحاً يجمع ما استطعت استعادته من وثائق وشهادات ومحطات مهنية وإنسانية امتدت لأكثر من عقدين.
ولعل الرسالة الأهم التي أود مشاركتها اليوم مع كل صحفي، ومعلم، وباحث، وفنان، ومهني مخلص في عمله هي وثّقوا… ثم وثّقوا… ثم وثّقوا.
وثّقوا أعمالكم، ومشاريعكم، ومقالاتكم، وصوركم، وشهاداتكم، وتجاربكم الإنسانية والمهنية.
فالإنسان ينسى، والأرشيفات الورقية قد تضيع، والمنصات تتغير، لكن ما يُوثَّق بعناية يملك فرصة أفضل للبقاء.
وما يبدو لنا اليوم واضحاً وبديهياً، قد يحتاج بعد عشرين عاماً إلى دليل يثبت وجوده وفق متطلبات عصر مختلف وأدوات مختلفة.
وفي الختام، أعود إلى سؤال ابني الحبيب…
تلك اللحظة الصغيرة التي اختصرت لي كل شيء، وأكدت حقيقة لم أدرك عمقها إلا متأخرة “الحقيقة كانت موجودة… لكنها لم تكن حاضرة.”
ربما سيجد كثيرون أنفسهم فيما كتبت، ليس لأنهم قدموا أول نشرة أخبار، أو حصلوا على تكريم دولي، أو شغلوا منصباً مهماً، بل لأن لدى كل واحد منا درجاً ما، أو صندوقاً ما، أو ملفاً قديمًا، ينام فيه جزء من قصة منسية تستحق أن تروى…
لكنها لم تُمنح فرصة كافية لتبقى حاضرة.
أتمنى أن أكون قد منحتكم سبباً كافياً لفتح ذلك الدرج، ونفض الغبار عنه قبل أن يأتي يوم تصبح فيه الحقيقة موجودة… لكنها غائبة.
لمن يرغب في الاطلاع على الوثائق والأرشيف الذي أشرت إليه في هذا المقال، يمكن زيارة موقعي الرسمي:



