الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

بيطريات خارج التمكين

صُبرةالثلاثاء 11 أغسطس 2026، 9:00 ص
بيطريات خارج التمكين

صبرة: معصومة المقرقش

بين قاعات المحاضرات، والمختبرات، والمزارع، والعيادات البيطرية، أمضين سنوات الدراسة وهن يؤمنّ أن نهاية الرحلة ستكون بدايةً لمهنة يحملنها بشغف. تخرّجن وهن يحملن مؤهلاً علمياً في أحد أكثر التخصصات ارتباطاً بالصحة العامة، والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، وجودة الحياة، لكن ما إن غادرن مقاعد الجامعة حتى اكتشفن أن أصعب اختبار لم يكن داخل القاعات الدراسية، بل على أبواب سوق العمل.

لم تبدأ رحلتهن مع المهنة بسماعة الطبيب البيطري أو المعطف الأبيض، بل بملفات التوظيف، ورسائل البريد الإلكتروني، ومنصات التقديم، وانتظار إعلان قد يفتح باباً طال ترقبه. وبين اشتراطات الخبرة، ومحدودية الفرص، وتواضع بعض الرواتب، تقف عشرات الخريجات أمام سؤال واحد: أين المكان الذي يحتضن الكفاءات التي استثمرت الدولة في إعدادها؟

هذه الحكاية لا تخص خريجة واحدة، بل تتكرر في شهادات عدد من خريجات الطب البيطري بجامعة الملك فيصل، اللواتي تحدثن إلى «صبرة» عن رحلة بدأت بالشغف، وازدادت ثراءً بالتدريب داخل المملكة وخارجها، قبل أن تصطدم بواقع وظيفي لا يعكس أهمية التخصص ولا اتساع مجالاته.

البداية الصعبة

عام واحد من الانتظار كان كفيلاً بأن يمنح الدكتورة كوثر آل عبدالعزيز، خريجة الطب البيطري بجامعة الملك فيصل (دفعة يونيو 2025)، رؤية مختلفة لسوق العمل. فمنذ تخرجها لم تتوقف عن تطوير نفسها، مدركة أن الطبيب البيطري لا يكتفي بما يتلقاه داخل أسوار الجامعة، بل يحتاج إلى خبرة ميدانية تصقل مهاراته.

تنقلت بين محطات تدريبية متنوعة؛ بدأت في الوحدة البيطرية بالدمام التابعة لوزارة البيئة والمياه والزراعة تحت إشراف كادر وطني، ثم خاضت تدريباً مكثفاً في حديقة الحيوانات بالرياض، قبل أن تنتقل إلى تجربة دولية في العيادات البيطرية التابعة لجامعة لايبزغ الألمانية، في رحلة علمية عززت خبرتها ووسعت معرفتها بالممارسات البيطرية الحديثة.

غير أن هذه السيرة التدريبية لم تختصر طريقها إلى الوظيفة. فقد وجدت أن الفرص المعلنة أقل من حجم الكفاءات المؤهلة، وأن بعض الجهات تشترط سنوات من الخبرة قبل منح الطبيب البيطري فرصته الأولى، فيما تقدم بعض منشآت القطاع الخاص عروضاً لا تتناسب مع المسؤولية العلمية والمهنية للمهنة، سواء من حيث الرواتب أو عدد أيام وساعات العمل، في ظل غياب حد أدنى واضح لأجور الأطباء البيطريين.

منظومة واسعة

وبرأيها، فإن المشكلة لا تكمن في ضيق مجالات العمل، فالطب البيطري يمتد إلى منظومة واسعة تشمل الصحة العامة، والأمن الغذائي، وجودة الحياة، والثروة الحيوانية، والحياة البرية والفطرية، ومشروعات الإنتاج الحيواني، وصناعة الأعلاف، والتصنيع الدوائي، والمختبرات البيطرية التخصصية، ومراكز البحوث، ومكافحة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، والأمراض المنقولة بالغذاء. وترى أن هذه القطاعات قادرة على استيعاب الكفاءات الوطنية متى ما توفرت مسارات وظيفية أكثر وضوحاً، إلى جانب اعتماد حد أدنى لرواتب الأطباء البيطريين في القطاع الخاص.

وتؤكد أن الاستثمار في الطبيب البيطري السعودي ليس استثماراً في فرد فحسب، بل في الأمن الغذائي، وصحة الحيوان، وحماية التنوع الحيوي، ومستقبل قطاع يرتبط بصورة مباشرة بصحة المجتمع وجودة الحياة.

أرقام تتحدث

إذا كانت الدكتورة كوثر قد روت جانباً من معاناة الانتظار، فإن الدكتورة فاطمة السلطان تضع القضية في إطارها الأوسع، وترى أن الأرقام وحدها كفيلة بتفسير حجم الفجوة بين مخرجات التعليم وفرص التوظيف.

تخرجت السلطان من كلية الطب البيطري في جامعة الملك فيصل عام 2024، ومنذ ما يقارب عامين وهي تنتظر فرصة لممارسة المهنة التي أمضت ست سنوات في دراستها. وتشير إلى أن دفعتها ضمت 37 خريجة، تلقى عدد كبير منهن برامج تدريب وتأهيل داخل المملكة وخارجها، شملت الإمارات وألمانيا وقطر، في تجربة أكاديمية ومهنية عززت جاهزيتهن لدخول سوق العمل.

ورغم هذا التأهيل، لم تتمكن سوى أربع خريجات تقريباً من الالتحاق بسوق العمل؛ إذ تعمل إحداهن في عيادة بيطرية، واثنتان في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، بينما التحقت الرابعة بالبرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة الحيوانية والسمكية. أما بقية الخريجات فما زلن ينتظرن فرصة تمكّنهن من ممارسة المهنة التي درسنها، وهو ما ترى السلطان أنه يطرح تساؤلات حول قدرة سوق العمل على استيعاب الكفاءات الوطنية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الأطباء البيطريين مع تنامي الاهتمام بالأمن الغذائي، والصحة الحيوانية، والوقاية من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.

وتضيف أن التحديات لا تقتصر على محدودية الوظائف، بل تمتد إلى طبيعة الفرص المطروحة؛ إذ تتركز بعض الوظائف في مدن بعيدة عن مقار إقامة الخريجات، بينما لا تتناسب الرواتب مع تكاليف السكن والتنقل والمعيشة، ما يجعل قبول الوظيفة قراراً اقتصادياً بالغ الصعوبة قبل أن يكون بداية للمسار المهني.

وتلفت السلطان إلى قضية أخرى، تتمثل في تعيين بعض خريجي الطب البيطري بمسميات وظيفية أدنى من مؤهلاتهم العلمية، مثل «مساعد»، رغم تخرجهم بوصفهم أطباء بيطريين. وترى أن هذا التصنيف لا يؤثر على الرواتب والمزايا الوظيفية فحسب، بل ينعكس أيضاً على المسار المهني وفرص الترقي، ولا يعكس حجم التأهيل الأكاديمي ولا المسؤوليات التي تتطلبها المهنة.

وترى أن معالجة هذه التحديات تبدأ بإعادة تقييم واقع توظيف خريجي وخريجات الطب البيطري، من خلال زيادة الفرص الوظيفية، وتهيئة بيئات العمل لاستقطاب الطبيبات البيطريات، واعتماد مسميات وظيفية تتوافق مع المؤهل العلمي، إلى جانب إقرار سلالم رواتب تراعي طبيعة المهنة ومسؤولياتها، وتكاليف المعيشة لمن يعملون خارج مدن إقامتهم.

وتختتم السلطان حديثها بالتأكيد على أن الطبيب البيطري يؤدي دوراً محورياً في حماية الثروة الحيوانية، وتعزيز الأمن الغذائي، والحد من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، مؤكدة أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية المؤهلة ليس استثماراً في قطاع مهني فحسب، بل هو استثمار في صحة المجتمع، وسلامة غذائه، واستدامة موارده الحيوانية.

عبء التدريب

ورغم اختلاف التجارب، تلتقي شهادة الدكتورة سارة أحمد مع ما سبقها عند نقطة مفصلية؛ فالتحديات، في رأيها، تبدأ قبل التخرج، وتمتد إلى ما بعده.

تخرجت سارة من جامعة الملك فيصل عام 2025، ضمن دفعة تضم نحو 56 خريجة، ولا تزال تنتظر منذ عام وسبعة أشهر فرصة تحقق طموحها المهني. وخلال هذه الفترة، اختارت العمل في عيادة بيطرية حفاظاً على صلتها بالمهنة، لكنها ما زالت تطمح إلى العمل في قطاع الغذاء والدواء، حيث ترى أن بإمكانها تقديم إضافة حقيقية في مجال يرتبط مباشرة بالصحة العامة.

وتستعيد سارة سنوات الدراسة لتشير إلى أن التدريب العملي كان في معظمه تدريباً صيفياً، فيما تكفل كثير من الطلبة بتكاليف برامجهم التدريبية على نفقتهم الخاصة، دون أن يحظوا بمكافأة الامتياز التي يحصل عليها خريجو عدد من التخصصات الصحية الأخرى، رغم الطبيعة العملية لدراسة الطب البيطري ومتطلبات التدريب الميداني.

وتعتقد أن تحسين واقع المهنة لا يقتصر على توفير الوظائف، بل يشمل أيضاً مراجعة الرواتب، ودعم برامج التدريب، وتمكين الكفاءات الوطنية من العمل في الجهات التي تحتاج إلى خبراتها، بما ينسجم مع أهمية الطب البيطري ودوره في خدمة المجتمع.

من الشغف إلى الإحباط

إذا كانت كوثر قد روت رحلة البحث عن فرصة، وفاطمة تحدثت بلغة الأرقام، وسارة فتحت ملف التدريب والرواتب، فإن الدكتورة زهراء المحمد تكشف الوجه الإنساني للقضية؛ ذلك الوجه الذي يبدأ بالشغف وينتهي بخيبة أمل.

التحقت زهراء بتخصص الطب البيطري عام 2019، وكانت من ثاني دفعات الطالبات في جامعة الملك فيصل، بعدما سمعت، كما تقول، كثيراً من الوعود بأن التخصص حديث، وأن سوق العمل سيكون في حاجة إلى الكفاءات الوطنية النسائية. حملت تلك القناعة معها حتى يوم التخرج، قبل أن تصطدم بواقع مختلف.

لم تحصر بحثها عن وظيفة في العيادات البيطرية، بل طرقت أبواب جهات متعددة ترتبط بالمهنة، إلا أن الطريق لم يكن سهلاً. بعض الجهات فضّلت توظيف الرجال، وأخرى لم ترد على طلبات التقديم، فيما اشترطت جهات أخرى خبرة عملية لحديثي التخرج، بينما ذهبت فرص أخرى إلى كوادر غير سعودية.

وبعد أشهر من الانتظار، وجدت نفسها أمام خيار لم يكن ضمن طموحاتها؛ وظيفة في عيادة بيطرية براتب خمسة آلاف ريال، وساعات عمل طويلة، وبيئة لا تعكس ما كانت تطمح إليه بعد سنوات الدراسة. ومع ذلك قبلت بها، بعدما تلقت نصائح متكررة بضرورة التمسك بأي فرصة متاحة حتى لا تخسر فرصة اكتساب الخبرة.

ورغم مرور ستة أشهر على التحاقها بالعمل، واصلت البحث عن فرصة أفضل، سواء في القطاع الخاص أو في الجهات الحكومية المرتبطة بالمجال البيطري، إلا أن المشهد بقي على حاله.

وتقول إن أكثر ما يؤلمها أن الطب البيطري كان خيارها الأول، ودخلته عن قناعة وشغف، لكنها اليوم تشعر بالإحباط بسبب شح الفرص الوظيفية وتواضع الرواتب، مضيفة أن الطبيب البيطري يستحق تقديراً يوازي سنوات الدراسة، وحجم المسؤولية التي يتحملها، سواء في فرص العمل أو في مستوى الدخل.

حفل تخرج أول دفعة من خريجات الطب البيطري بجامعة الملك فيصل 2024
بين دفعتين… والانتظار مستمر

• خريجات دفعة 2024: 37

• خريجات دفعة 2025: 56

• إجمالي الخريجات خلال عامين: 93

• سنوات الدراسة: 6 سنوات

• من حصلن على وظائف حتى الآن (دفعة 2024): 4 خريجات فقط