صراخ الباعة وأسعار “الصويفي” الصاعدة..!!

حسن دعبل
وفي عُرف «البحاحير» وعلومهم وسلومهم، أن صيد صغار الأسماك يُعاد إلى البحر؛ ليكبر في نموه. وهذا العرف والسنن لم يُكتبا في الأوراق، إنما خطّتهما النفوس الكريمة بقيمها العليا، بالنبالة والشهامة، ولم يعوزها الفقر والفاقة، وحتى الحاجة اليومية في أرزاقها. في الأسواق قديماً وفُرُشها، لا تجد مكاناً لأسماك أصغر من المتداولة والمعروضة، ولا فرشة أسماك «الهَدْرة»، كما هو متعارف بين الألسن ولهجها اليومي.
كل ما يُعرض في السوق للبيع هي أسماك موسمية، أسماك القيظ والشتاء، لكل موسم فائضه من الأسماك، ولكل فصل طلوعه ومغيبه في تعدد الفصول. كل مجرى الماء، ومايته البحرية، مرتبط بمجرى القمر والنجوم ومنازلها، وكواكبها السيّارة؛ وليس كما يعتقد أصحاب المهن الطارئة والدخيلة، أن الأسماك تتكاثر في مكان واحد وتُصطاد فيه. ربما يتدارك البعض ممن تداخلت عليه الصنعة بالحاجة، فغربل المهنة بالصنعة، ونال شهرة البقاء، وما آلت إليه الأسواق من بور في حركة بيعها، وما يُعرف اليوم بتخفف: العرض والطلب.
الطارئ على الأسواق، ربما لا تأخذه الأسعار العجاب، لما آلت إليه أسعارها في صعودها، والتي لم تجد، أو تاهت بها، حركة النزول، كما في السنوات الماضية. الطارئ والمتعجب من صعود أسعار أسماك كانت بالأمس في متناول اليد، وعلى سفرة الفقير، باتت اليوم شحيحة حتى على متوسطي الحال.
الأسعار تلك لم تصعد صدفة، ففي سنوات معدودة لم تبارح أسعارها، ولم تفارقها شرطة واحدة، سواء في القيظ أو الشتاء؛ فقد اختلطت أسماك القيظ والشتاء على فرشة السوق، ولم تمسك اليد العارفة بأسماك ما يُسمى: لطلوع ولدخول في مواسمها.
الأسماك متوافرة طوال السنة؛ الأسماك الحرة، وهي أسماك البحر، وأسماك المزارع المتنوعة بألوانها والقريبة من أسماك البحر بألوانها، لكنها مختلفة في الأكل والتبليح. وحتى الربيان المائل إلى خضرة باهتة في لونه، هناك من لم يستطع تمييزه عن الربيان المعروف.
اليوم تصرخ الأسواق بنار ارتفاع أسعار الأسماك، وقلة المعروض منها، وخاصة تلك المعروضة بقلة وشحّة. لكن ما يلفت الانتباه أن هناك أصوات الباعة، قبل الشراية، المتذمرة من شحّة الأسماك، وكأنها غير معنية بتلك الثروة والمحافظة عليها، فبدت بالتظلم والتذمر من القرار الأخير لتحديد أماكن الصيد وهيراته، وربما بدراية أم غيرها، أن هذه الهيرات المشمولة بالقرار هي هيرات الأسماك الوفيرة، وخاصة الصافي، وصغاره قبل نموه: الصويفي، والسّحل المتعارف بحرياً.
تجار السوق وجزّافته أو الباعة، ومن لم تطأ قدمه الخيران والغَليل، لا يعرف تحديداً أين يقع هير لِحزيز، ولا الرّيمة وأبو ديچ، أو السّولة إلى المُفضى وحِد اللوه، حتى عيچ وهير أم النِّيسر، طارحاً في صليف؟
تلك الهيرات القريبة من بعضها والمتداخلة، لا يعرفها غير أصحاب الصنعة والمهن البحرية، ومن بقوا يمارسون صنعتهم بالطرق التقليدية القديمة، وهم أهل المكان. هم من يُفرحهم القرار الأخير للصيد، بعد أن تحيا «لِفشوت والأزياي والمنادي»؛ لتعود تلك الهيرات بوافر صيدها الرحيم، وتملأ الأسواق بأسماكها خيراً وبركة، بعيداً عن تذمر الباعة في البر، وأصحاب المهن وفرشة البسطات ودلاليها.




