أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

جرسٌ يُقرع… وحلمٌ يبدأ

صُبرةالسبت 22 أغسطس 2026، 6:25 م
جرسٌ يُقرع… وحلمٌ يبدأ

كفاح بنت حسن المطر

مع انبلاجة صباح الأحد، سيُقرع جرس المدرسة، وتتوالى رناته، فيملأ صداها مسامع الطلبة. يبدو ذلك الصوت مألوفًا، يعلن بداية يومٍ دراسي جديد؛ إنه صوتٌ يوقظ ألف حلم، ويهمس لكل الطلاب: احزموا أمتعة الطموح؛ فأمامكم رحلة شيقة نحو المستقبل.

ومع الرنة الأولى، تُشرع المدارس أبوابها لاحتضان زهورها، وتدبّ الحياة في ممراتها، وتبتسم المقاعد شوقًا للقاء أصحابها، وتصافح الكتب والكراسات تلك الأيدي الصغيرة التي عادت لتقلّب صفحاتها، فيما تتنفس السبورات الصعداء وهي ترى الأسئلة والأفكار تُخطّ عليها؛ فتتفتح الأذهان، وتتسع دوائر الفضول نحو آفاقٌ معرفية لا حدود لها.

هناك طفلة تدخل مدرستها للمرة الأولى، تتشبث بيد أمها، وفي عينيها شيءٌ من الخوف وكثيرٌ من التساؤل، لا تدري أن خلف ذلك الباب عالمًا جديدًا ينتظر خطوتها الأولى، وهناك طالب يعود لفصله وقد كبر عامًا، يحمل على كتفه حقيبةً مدرسية، وفي داخله حقيبة أخرى تزدحم بأمنيات طفولية، أغلق عليها بحذر كيلا يراها أحد؛ أمنيات تنتظر من يوقظها، ويؤمن بها، ويمنحها فرصةً لتكبر معه.

وهناك طالبة تقف على مشارف التخرج، تنظر إلى مدرستها هذه المرة بعينٍ مختلفة؛ فالحلم البعيد أصبح أقرب. إنها على أعتاب عامها الأخير؛ لذا أصبح سؤال المستقبل أكثر حضورًا وإلحاحًا: ماذا أريد أن أكون؟

ثلاثة يقفون عند ثلاث محطات مختلفة من الرحلة؛ طفلة تبدأ الحكاية، وطالب يمضي في فصولها، وطالبة تتهيأ لكتابة سطرها الأخير بين جدران المدرسة. وبين البداية والنهاية أعوامٌ كثيرة، وأجراسٌ ستُقرع، لكن السؤال الأهم: ماذا ستصنع هذه الأعوام فيهم؟ ومن سيرعى كل هذه القلوب في رحلتها؟ من سيهدّئ روع تلك الصغيرة التي أفلتت يد أمها على مضض، ومن سيمنحها الدفء؛ لتدخل فصلها آمنةً مطمئنة؟ ومن سيستشعر ارتباك الطالب الذي يخفيه خلف ابتسامته، ويمنحه الأمان؛ ليفتح حقيبة أمنياته بثقة؟ ومن سيتفهم مشاعر تلك الطالبة التي اقتربت من نهاية الرحلة، فيحفزها؛ لتمضي نحو آمالها المستقبلية بعزم ويقين؟

هنا تتجلى المدرسة في أجمل معانيها.

فهي ليست جدرانًا تستقبل أبناءنا وبناتنا كل صباح، وإنما حضنٌ تربوي آمن تتكامل فيه الأدوار، وتتكاتف فيه المسؤوليات، لتقول لهم: أنتم في أعيننا، نحن نقدّركم، ونؤمن بقدراتكم، ونثق بما تستطيعون تحقيقه. وهنا يأتي المعلم والمعلمة؛ لا ليقدما درسًا فحسب؛ فبين خافقيهما فؤادٌ حانٍ يبدد رهبة البدايات، وعينٌ ترى التقدم ولو كان صغيرًا، ويدٌ تربوية تمتد بلطف؛ لتساند وتشجع. فالأمان يسبق التعلم، والثقة تصنع الإنجاز؛ والطفل الذي يشعر أنه مقبول يجرؤ على المشاركة، والطالب الذي يجد من يؤمن بمحاولته لا يخشى الخطأ، والطالبة التي تعرف أن هناك من يرى قدرتها تمضي إلى مستقبلها أكثر ثباتًا. فقبل أن نصنع متفوقًا، نصنع إنسانًا يشعر بالأمان؛ وقبل أن نطالبه بأن يؤمن بحلمه، ينبغي أن يجد من يؤمن به.

ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه المدرسة لرياحينها ألا تختصر نجاحهم في إجابة صحيحة أو درجة مرتفعة، بل أن تمنحهم شعورًا عميقًا ليقول كل منهم: أستطيع أن أكون نفسي، أستطيع أن أخطئ وأتعلم، هنا أجد من يأخذ بيدي لأمضي وحدي بثقة. وبهذا لا يكون جرس المدرسة إعلانًا عن بدء حصة بل إيقاعًا يرافق نزهة التعلم والاكتشاف.

رسائل على امتداد الرحلة

ولأن لكل رحلةٍ خارطةَ طريق، فقد علّمتني سنوات العمل بين أروقة التعليم أن أجمل الخرائط تلك التي تضع بين ناظرينا بوصلةً توجه مساراتنا نحو الغايات المنشودة كلما ازدحمت التفاصيل؛ وأن الكلمة الطيبة تصنع فرقًا، والاحتواء يرعى حلمًا صغيرًا سيكبر يومًا. وبهذا الإيمان الذي صقلته التجربة، أودع رحلتنا هذا العام رسائل ودية؛ لعلها تعيدنا إلى البوصلة والهدف الأسمى لهذه الرحلة: أن نبني إنسانًا، ونوقظ شغفًا، ونحقق حلمًا.

أيها المعلمون والمعلمات الأفاضل…

قبل أن يُقرع الجرس، لا تُعِدّوا دروسكم فحسب؛ أعدّوا قلوبكم لاستقبال قلوبٍ مختلفة، واتركوا عند باب المدرسة ما أثقل صباحكم، وادخلوا بابتسامة وادعة، واحملوا معكم “بطاقة حلم”يودع فيها كل طالب حلمًا صغيرًا يتمنى تحقيقه هذا العام. وبعد أن يُقرع الجرس، لا تجعلوا أعينكم معلقة بمن وصل أولًا؛ التفتوا إلى من يحاول، ومن يتقدم ببطء، ومن ينتظر كلمةً توقظ ثقته. ثم اسألوا أنفسكم: ماذا فعلنا اليوم لنقرّبهم من أحلامهم؟ فقد ينتهي الدرس مع رنة الجرس… لكن أثر المعلم الجميل لا يُقرع له جرس النهاية.

إلى الموجهين والموجهات الطلابيين… اصغوا إلى ما لا يُقال

حين يُقرع الجرس، وتغصّ الممرات بالحكايات، تأملوا مسرح الأحداث؛ فهناك حكايا لا تُروى بالكلمات؛ فقد يختبئ خلف «أنا بخير» خوفٌ لم يجد لغته بعد، وخلف صمتٍ مفاجئ سؤالٌ ينتظر من يصغي إليه، وخلف سلوكٍ نراه مزعجًا احتياجٌ يقول بطريقته: أنا هنا… انتبهوا إليّ.

فلتكن لكم هذا العام عينٌ ترى ما وراء الظاهر؛ التقطوا بوادر التعثر قبل أن تصبح مشكلة، واقتربوا قبل أن يضطر الطالب إلى طلب النجدة، واجعلوا غرفة التوجيه ضفةَ حنانٍ تستقبل أبناءنا وبناتنا حين ترهقهم الحكايا، واسألوا كلًّا منهم سؤالًا قد يفتح شرفةً واسعة على القلب: “كيف حال قلبك اليوم؟”

إلى أولياء الأمور… حين يعود صدى الجرس إلى البيت

قبل أن يُقرع الجرس، اغرسوا للمدرسة بذورًا جميلة في نفوس فلذات أكبادكم؛ لتزهر حبًا، وتثمر شغفًا بالتعلم. حدثوهم عن البدايات بتفاؤل، وأرسلوهم إلى المدرسة محمّلين بدعواتكم وثقتكم؛ فما تزرعونه في قلوبهم قبل أن يعبروا بوابة المدرسة سيرافق خطواتهم داخلها. وحين يعودون، أنصتوا لحكاياهم؛ فابتسامة الرضا، وكلمة التشجيع، والاحتفاء بالإنجاز قد تبدو أشياء عابرة، لكنها في نفوسهم وقودٌ لطاقات كامنة وآمال واعدة.

إلى أبنائنا وبناتنا… نبض قلوبنا وصنّاع مستقبل وطننا

حين يُقرع الجرس، امضوا إلى مدارسكم بقلوبٍ مفعمة بالشغف، وعقولٍ متعطشة للمعرفة، اسألوا، واكتشفوا، وجرّبوا، وأخطئوا ثم حاولوا من جديد؛ فليس مطلوبًا منكم أن تكونوا نسخةً من أحد؛ فلكل واحد منكم بصمته، ولكل حلم طريقه وموعد إزهاره.

وفي أول سطر من عامكم الدراسي الجديد، اكتبوا لأنفسكم رسالةً صغيرة تبدأ ب ـ”حين يُقرع الجرس الأخير، أتمنى أن أكون قد…” ثم أودعوها مكانًا آمنًا، وعودوا إليها في نهاية العام؛ فقد تكتشفون أن أجمل ما حققتموه لم يكن درجةً عالية، ولا مركزًا سبقتم إليه الآخرين، بل خوفًا تجاوزتموه، أو موهبةً اكتشفتموها. أنتم الحلم الذي من أجله يُقرع الجرس… وأنتم المستقبل حين يصبح الحلم حقيقة.

ولكي تكتمل حكاية اليوم الأول… فليُقرع الجرس، ولتبدأ الرحلة، وليكبر الحلم؛ فلعل بين مقاعد مدارسنا من سيكتب بعلمه وقيمه وإبداعه غدًا فصلًا جميلًا في حكاية الوطن.