قبل أن تصبح "نقطة سوداء" البحاري.. قطّعتها الطرق 3 مرات وتحتاج حلولًا هندسية

القطيف: صُبرة
تصوير: مريم محيميد
لم يكن حادث دعس مواطن خمسيني في البحاري، مساء الخميس الماضي، مجرد واقعة مرورية عابرة؛ فقبل نحو 8 أشهر شهد الموقع نفسه تقريبًا وفاة السبعينية زهراء عبدالله عباس العراجنة دعسًا أثناء عبورها الطريق.
وبين الحادثين تبرز مشكلة أوسع من واقعتين منفصلتين؛ إنها قصة بلدة صغيرة قطعتها الطرق 3 مرات على امتداد عقود، فيما بقي سكانها مضطرين إلى التنقل مشيًا بين أجزائها، وعبور طرق كثيفة الحركة وسريعة التدفق المروري.
وفي الحادث الأخير، تعرض المواطن الخمسيني للدعس أثناء عبوره طريق العوامية ـ البحاري الجديد، قرب مجلس الكوثر، خلال توجهه إلى مجالس عزاء في البلدة، ونُقل إلى مستشفى القطيف المركزي لتلقي العلاج. وتعيد الواقعة إلى الواجهة سؤال سلامة المشاة في موقع تغيرت جغرافيته بفعل الطرق، فيما بقيت حركة السكان اليومية بين جانبيه قائمة.

شارع الإمام علي القديم نشأ لربط القطيف بالقديح والعوامية وصفوى
القطع الأول
فالبلدة التاريخية الصغيرة كانت كتلة سكنية تحيط بها مساحات زراعية واسعة، وتمتد علاقتها شرقًا عبر النخيل باتجاه البحر. وتشير مادة أرشيفية لـ«صُبرة» إلى أن البحاري القديمة كانت قرية مسوّرة تقابل البحر، يفصل بينها وبينه نطاق من بساتين النخيل، وأن سكانها عملوا في الزراعة والصيد.
وقبل عقود طويلة، أُنشئ الطريق الرئيس الذي ربط مدينة القطيف بالقديح والعوامية وصفوى، وهو المعروف حاليًا بشارع الإمام علي بن أبي طالب.
ومع شق الطريق حدث أول تغيير كبير في جغرافية البلدة؛ إذ أصبح عمران البحاري في جهة، فيما بقي جزء من امتدادها الزراعي والبحري في الجهة الأخرى.
كان الطريق يخدم حركة تتجاوز البحاري إلى بلدات شمال المحافظة، لكنه وضع للمرة الأولى خطًا مروريًا بين السكان وأجزاء من المجال الذي ارتبط بحياتهم وعملهم.

طريق أحد.. شق القرية من الجنوب
القطع الثاني
ثم جاء طريق أحد ليصنع خط فصل آخر، هذه المرة بين البحاري القديمة شمالًا والامتدادات العمرانية والزراعية جنوبًا.
وهذه المشكلة موثقة منذ سنوات. ففي مارس 2019 نشرت «صُبرة» قصة المواطن الكفيف سلمان البحراني، وسؤاله للمرور والبلدية: كيف يعبر طريق أحد للوصول إلى أهله في البحاري؟
ولم تكن المشكلة تخص البحراني وحده؛ فقد كان السكان يتنقلون يوميًا بين جانبي الطريق، فيما تمر المركبات بكثافة وسرعات مرتفعة. وكان الوضع قد وصل آنذاك إلى حوادث دعس، بينها حادث أُصيب فيه شخص ونُقل إلى العناية المركزة.
وبعد تصاعد مطالب السكان، تدخلت بلدية محافظة القطيف في مايو 2019، ووضعت مطبات إسفلتية لتخفيف سرعة المركبات. ووصفت «صُبرة» المشكلة آنذاك بأنها تهديد لسلامة السكان في تنقلهم بين شطري البلدة الشمالي والجنوبي. أي أن مشكلة قطع الطرق للنسيج المحلي في البحاري سبقت الطريق الجديد بسنوات.

طريق القطيف صفوى الجديد شق القرية من الغرب
القطع الثالث.. 60 مترًا
أما التغيير الأكبر فجاء مع مشروع ازدواج طريق القطيف ـ العوامية ـ صفوى، المعروف خلال سنوات تنفيذه باسم «طريق التحدي».
بدأت أعمال نزع الملكيات الخاصة بالمشروع في البحاري، وأزيلت منازل واقعة في مساره، قبل أن يكتمل الطريق ويفتتح رسميًا في ديسمبر 2024.
ويمتد الطريق نحو 6.5 كيلومترات من تقاطع طريق أحد عند البحاري إلى صفوى، ويتكون من 3 مسارات في كل اتجاه، تفصل بينها جزيرة وسطية، إضافة إلى طرق خدمة جانبية ومواقف وأرصفة، بعرض إجمالي يصل إلى 60 مترًا.

طريق القطيف صفوىىالجديد
ومثلما اختصر الطريق المسافة وربط وسط المحافظة بشمالها، صنع داخل البحاري واقعًا مختلفًا. فالطريق مر في نطاق البلدة، وقسم مجالها مرة أخرى إلى جهتين شرقية وغربية، بينما ظلت الحياة الاجتماعية للسكان موزعة على الجانبين.
منازل ومجالس ومزارع ومصالح وعلاقات اجتماعية لم تنتقل مع إنشاء الطريق، وظل الناس بحاجة إلى الوصول إليها مشيًا. وهنا أصبح الطريق الذي يخدم آلاف المركبات يوميًا حاجزًا يتعين على بعض سكان البلدة اجتيازه للوصول من جهة إلى أخرى.
يناير.. وفاة على الطريق
في 4 يناير الماضي، ظهرت خطورة هذا الواقع بصورة مأساوية. إذ توفيت زهراء عبدالله عباس العراجنة، وهي في السبعينيات من عمرها، بعدما دعستها مركبة أثناء عبورها الطريق في البحاري. وفارقت العراجنة الحياة في موقع الحادث.
وأثار الحادث مطالبات بتوفير حلول تتيح لسكان البحاري الانتقال بين جانبي الطريق من دون الاضطرار إلى مواجهة حركة المركبات مباشرة.
مرور الشرقية يتحرك
ولم تمر الحادثة دون تحرك رسمي. ففي اليوم التالي، وجّه مدير مرور المنطقة الشرقية، اللواء الدكتور عبداللطيف العبيدالله، بضرورة الإسراع في تحديد وتنفيذ مواقع آمنة لمعابر المشاة في محافظة القطيف، في تحرك أعقب مباشرة وفاة العراجنة. وعقد العبيدالله اجتماعًا مع مسؤولي بلدية محافظة القطيف لمناقشة الحادث، والحلول الهندسية اللازمة لتأمين عبور المشاة ومنع تكرار الحوادث.
وفي الوقت نفسه، برز جسر المشاة ضمن الحلول التي طالب بها مواطنون في التغطيات المنشورة عقب الحادث، وتحديدًا في موقع وفاة العراجنة، إلى جانب مقترحات أخرى لتوفير عبور آمن.
وبذلك انتقلت مشكلة عبور الطريق من مطلب محلي إلى ملف وصل رسميًا إلى المرور والبلدية، مع توجيه صريح بالبحث عن حلول هندسية وتنفيذ معابر آمنة.
وبعد 8 أشهر..
لكن نحو 8 أشهر مرت، قبل أن يأتي حادث جديد من المكان نفسه تقريبًا. ومساء الخميس الماضي، كان مواطن في الخمسينيات من عمره متوجهًا إلى مجالس عزاء في البحاري، وحين حاول عبور طريق العوامية ـ البحاري الجديد قرب مجلس الكوثر تعرض للدعس.
ونُقل المصاب إلى مستشفى القطيف المركزي. وما زال حتى اليوم في العناية المركزة.
الحادث الثاني لم ينتهِ بوفاة كما حدث في يناير، لكنه أعاد المشكلة إلى نقطة البداية، وأعاد معها السؤال عن الحلول التي طُرحت بعد الحادث الأول.
المشكلة ليست في المشاة وحدهم
مطالبة المشاة بالحذر، والسائقين بخفض السرعة والانتباه، تظل جزءًا أساسيًا من السلامة، لكنها لا تحل وحدها مشكلة مكانية فرضتها طبيعة الطريق. فحين يشطر طريق واسع نسيجًا مأهولًا، وتبقى حركة السكان قائمة بين جانبيه، تصبح سلامة العبور قضية هندسية بقدر ما هي مسؤولية سلوكية.
والمواطن الذي يريد الوصول إلى مجلس أو منزل أو مزرعة في الجهة المقابلة لا يتعامل مع الطريق باعتباره رحلة بين مدينتين؛ بل باعتباره حاجزًا ظهر داخل مجال حياته اليومية.
ولهذا فإن الحل يحتاج إلى دراسة حركة المشاة نفسها: من أين يعبرون؟ وإلى أين يتجهون؟ وما أكثر النقاط استخدامًا؟ وما سرعات المركبات وكثافتها في تلك المواقع؟
وعلى ضوء ذلك يمكن للجهات الفنية تحديد الحل المناسب؛ سواء كان معبرًا محميًا، أو إشارة مخصصة للمشاة، أو وسائل لتهدئة السرعة، أو جسر مشاة، أو غير ذلك من الحلول الهندسية التي تفصل حركة الإنسان عن حركة المركبات.

عبور الطريق مغامرة غير آمنة
3 طرق.. والمشكلة واحدة
خلال عقود، دفعت البحاري ثمن موقعها في شبكة طرق محافظة القطيف 3 مرات. الطريق القديم فصل عمرانها عن جانب من امتدادها الزراعي والبحري.
وطريق أحد قسم مجالها إلى شمال وجنوب، حتى أصبحت حوادث الدعس ومخاطر عبور المشاة قضية دفعت البلدية إلى التدخل في 2019.
ثم جاء طريق القطيف ـ صفوى الجديد، الأوسع والأكثر قدرة على استيعاب الحركة، ليقسم مجال البلدة شرقيًا وغربيًا، ويضع السكان أمام حاجز مروري جديد.
المفارقة أن هذه الطرق حققت هدفًا مهمًا في ربط أجزاء محافظة القطيف ببعضها، لكنها في البحاري تركت أثرًا معاكسًا على المستوى المحلي: فصلت أجزاء من البلدة عن بعضها.
قبل أن تصبح “نقطة سوداء”
حادثا 2026 يمنحان الجهات المختصة فرصة لمعالجة المشكلة قبل أن يتكرر السيناريو، وقبل أن تتراكم الحوادث في الموقع ويصبح نقطة خطرة معروفة لعبور المشاة. والحلول لا تبدأ من الصفر.
فمنذ يناير الماضي صدر توجيه من مدير مرور المنطقة الشرقية بالإسراع في تحديد وتنفيذ معابر آمنة، واجتمع المرور والبلدية لمناقشة الإجراءات الهندسية، وطُرح جسر المشاة ضمن مطالب السكان المنشورة وقتها.
وبعد الحادث الأخير، أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحًا:
ماذا انتهت إليه دراسة الموقع بعد حادث يناير؟
وما الحلول الهندسية التي تقررت لعبور المشاة؟
وهل دُرس إنشاء جسر للمشاة أو بديل يوفر المستوى نفسه من الفصل الآمن بين الإنسان والمركبة؟
ومتى يرى سكان البحاري حلًا على الأرض، قبل أن يأتي حادث ثالث أو رابع؟.




