البيت «العربي» في القطيف كان آلة مناخية «تتنفس»

القطيف: صُبرة
في الوقت الذي كان نمط البناء المعروف في القطيف باسم «العربي» يفقد مكانه أمام الطابوق والخرسانة المسلحة، وكان «البنّاية» التقليديون يخسرون مهنتهم ويتفرقون في أعمال أخرى، كان معماري هندي الأصل ينظر إلى البيوت نفسها من زاوية مختلفة تماماً.
حدث ذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ توقف تقريباً إنشاء البيوت الجديدة بالنمط «العربي»، واتجه السكان إلى البناء الحديث بالخرسانة المسلحة، فيما بقيت البيوت التي شُيدت قبل ذلك قائمة، وما زالت نماذج كثيرة منها موجودة حتى اليوم في مناطق مختلفة من المحافظة.

وفي اللحظة التاريخية نفسها، نجح المعماري والباحث كايزر طالب (Kaizer Talib) في تثبيت سمات معمارية أصيلة في مساكن المملكة التقليدية، ووضع القطيف ضمن مشروعه لدراسة العلاقة بين البيت والمناخ، قبل أن يصدر حصيلة عمله عام 1984 في كتاب Shelter in Saudi Arabia «المسكن في المملكة العربية السعودية».

وخلاصة ما تفتحه قراءة طالب لبيوت القطيف تبدو مدهشة بمقاييس اليوم: البيت «العربي» كان آلة مناخية.. تتنفس.
فالجدار والفتحة والظل وحركة الهواء ومواد البناء اجتمعت في منظومة تتفاعل مع بيئة الساحل، وتساعد البيت على التعامل مع الحرارة والرطوبة، في زمن كانت فيه العمارة نفسها تؤدي جانباً كبيراً من مهمة توفير الراحة لسكانها.

من هو كايزر طالب؟
وُلد كايزر طالب عام 1945، وهو معماري وباحث هندي الأصل، امتدت تجربته التعليمية والمهنية بين بريطانيا والولايات المتحدة، وتركز جانب من اهتمامه على العمارة المستدامة والتصميم المناخي والطاقة.
ودرس طالب دراسات عليا في لندن وجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، وجمع في مسيرته بين البحث والتدريس والممارسة المهنية، وعمل في التدريس والبحث في جامعات بعدة قارات، ثم واصل نشاطه المهني معماريًا في الولايات المتحدة.

وسبق صدور كتابه اهتمام بحثي بالعمارة السعودية؛ إذ تناول مفاهيم التصميم المناخي وتفاصيله في العمارة التقليدية في مناطق المملكة المختلفة، وهو المسار الذي قاده إلى دراسة العلاقة بين اختلاف البيئة واختلاف المسكن.
المملكة في 4 مناخات
في كتابه، قسم طالب المملكة إلى 4 نطاقات مناخية، ودرس الاستجابة المعمارية التقليدية في كل واحد منها: المنطقة الحارة الجافة، والمنطقة الحارة الرطبة، والمناخ المركب، ومناخ المرتفعات.

وكان هدف هذا التقسيم قراءة تأثير اختلاف الظروف المناخية في أشكال البناء والحلول التي ظهرت في البيئات المحلية.
وفي هذا السياق حضرت القطيف في الكتاب.
ففي الصفحة 83 يبدأ فصل Composite Climate «المناخ المركب»، ضمن معالجة طالب للمنطقة الشرقية والظروف المناخية التي أثرت في عمارتها التقليدية.

وتأتي أهمية هذا التصنيف من طبيعة بيئة الساحل الشرقي؛ حيث تدخل الحرارة والرطوبة وحركة الهواء في العلاقة بين البيت ومحيطه، وهي العلاقة التي وضعها طالب في صلب قراءته للعمارة.
كيف كان البيت يعمل؟
قرأ طالب المسكن التقليدي من خلال وظيفته المناخية؛ فالعناصر المعمارية ومواد البناء وطريقة تكوين المسكن ارتبطت عنده بالبيئة التي نشأ فيها البيت.

وهكذا يصبح السؤال أبعد من شكل البيت وزخرفته: كيف استطاع المبنى نفسه أن يساعد ساكنيه على التكيف مع المناخ؟
ومن هذه الزاوية تأتي عبارة «آلة مناخية تتنفس» بوصفها تلخيصاً صحفياً لفكرة العلاقة بين البيت والبيئة، وليست اقتباساً حرفياً من طالب.

فالعمارة التقليدية التي تناولها الكتاب نشأت قبل انتشار الاعتماد على التكييف الميكانيكي، وكان تصميم المبنى ومواده وطريقة تعامله مع الهواء والشمس والظل جزءاً من الاستجابة للمناخ.
كتاب في لحظة التحول
صدر Shelter in Saudi Arabia عام 1984 في 144 صفحة مصورة، عن Academy Editions وSt. Martin’s Press، وضم صوراً ورسومات وخرائط إلى جانب الدراسة المعمارية.

وتكتسب سنة صدوره دلالة خاصة بالنسبة إلى القطيف؛ فقد جاء الكتاب في الفترة نفسها تقريباً التي كان فيها إنشاء البيت «العربي» يتوقف، ويتحول البناء الجديد إلى الطابوق والخرسانة المسلحة.
أي أن طالب كان يوثق ويحلل المعرفة المعمارية الكامنة في نمط بناء، في الوقت الذي كان هذا النمط يغادر سوق البناء الجديد في القطيف.
وامتد اهتمامه في الكتاب إلى التحول نفسه؛ إذ انتقل في أجزائه الأخيرة إلى البيئة السكنية المعاصرة، وخصص فصلاً لـ Changing Patterns of Shelter in Saudi Arabia «تغير أنماط المسكن في المملكة العربية السعودية».
«البنّاية» غادروا.. والبيوت بقيت
توقف بناء المنازل الجديدة بالنمط «العربي» في القطيف مع مطلع الثمانينيات، وتفرق كثير من «البنّاية» التقليديين في أعمال أخرى، فيما بقيت البيوت التي أنجزوها قبل ذلك شاهدة على مهارة مهنية تراكمت عبر أجيال.
وما زالت نماذج من هذه البيوت موجودة حتى اليوم في مناطق متعددة من المحافظة، بعد أكثر من 4 عقود على التحول الذي أخرج «العربي» من حركة البناء الجديدة.

وهنا تكتمل المفارقة التي بدأت بها القصة: في الوقت الذي كان «البنّاية» يغادرون مهنتهم، كان كايزر طالب يدخل إلى عالم ما صنعوه من بوابة البحث المعماري.
نظر إلى البيت بوصفه نتاجاً للعلاقة بين الإنسان والمناخ والمادة، وسجل جانباً من المعرفة التي حملتها العمارة التقليدية قبل أن تتغير أنماط البناء.
وبعد 42 عاماً من صدور كتابه، يمكن قراءة البيت «العربي» في القطيف بصورة تتجاوز الحنين إلى الماضي.
كان بيتاً يعرف كيف يتعامل مع بيئته.. آلة مناخية «تتنفس».



