السبت 17 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

مؤسساتنا الاجتماعية بين الارث العريق و متطلبات الحوكمة الحديثة

صُبرةالسبت 17 أكتوبر 2026، 9:00 ص
مؤسساتنا الاجتماعية بين الارث العريق و متطلبات الحوكمة الحديثة

سلمان بن عبد الله ال خليل

لم يكن تأسيس مؤسساتنا الاجتماعية في صفوى عملا إداريا فحسب، بل كان تجسيدا حيًّا لمعنى الانتماء وروح المسؤولية الاجتماعية من جيلٍ نذر وقته وجهده لخدمة الناس بإخلاصٍ ومسؤوليةٍ عالية مؤمنًا بأن خدمة المجتمع شرفٌ ومسؤوليةٌ وطنية، فأسّس هذه الكيانات بإشراف الدولة ودعمها لتكون مناراتٍ للعطاء والتكافل.

ومن بين تلك الكيانات، برزت مؤسستنا الاجتماعية التي تأسست في ستينات القرن الماضي، لتكون نموذجًا مبكرًا للعمل الاجتماعي المنظم في صفوى، واستمر عطاؤها شاهدًا على وعي المجتمع وأصالته.

كانت تلك المؤسسات حكاية انتماء قبل أن تكون قرارًا إداريًا، جسّدت وعي أبناء المدينة بأن العمل التطوعي هو لغة الانتماء الأصدق وأن بناء الإنسان هو أثمن إنجاز يمكن أن يُقدَّم للمجتمع.

وبرعاية الدولة وحرصها المستمر، نمت هذه المؤسسات لتصبح ركنًا من نسيج الحياة اليومية في صفوى تسهم في تنمية الإنسان وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع ، واليوم بعد مسيرةٍ طويلة من العطاء يبقى السؤال: كيف نحافظ على هذه الروح النابضة والمتجددة لتظل مصدر إلهامٍ لأجيالٍ قادمة وقوةً تدفع مؤسساتنا نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا؟

لكن الواقع يشير إلى أن عددًا من مؤسساتنا بات يعاني من الضعف، وربما من التراجع أو التعثر، والأسباب لم تعد خفية. فالمؤسسة كالبناء، إذا ضعفت أساساتها انهارت وأبرز أسباب الضعف هو سوء اختيار القيادات وغياب الرؤية والخبرة الإدارية. وقد شهدنا مؤخرًا مؤسسات فقدت حضورها نتيجة ضعف الإدارة والتخطيط، وأخرى استعادت نشاطها حين أعادت هيكلة مجالسها وعملت بخطط واضحة، وهو دليل على أن المشكلة ليست في الإمكانات بقدر ما هي في الكفاءة وطريقة الإدارة.

ويأتي الدعم الكريم الذي توليه قيادتنا الرشيدة لهذه المؤسسات تحت رعاية وإشراف المركز الوطني لتنمية القطاع الغير ربحي و وزارة الموارد البشرية و التنمية الاجتماعية لتعزيز العمل الاجتماعي في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030، ومع ذلك فإن بعضَها ما زال عاجزًا عن ترجمة هذا الدعم إلى كفاءةٍ مؤسسيةٍ مستدامة

ويبدو أن جزءًا من المشكلة مرتبط بضعف التأهيل الإداري والتنفيذي داخل بعض المؤسسات الأمر الذي يؤدي أحيانًا إلى غياب التوازن بين الرغبة في العطاء ومتطلبات الكفاءة والتخطيط، لذا فهي ما زالت بحاجة إلى مواءمة روح التطوع عبر تكثيف زيارات الديوانيات ، المجالس واصحاب المؤسسات التجارية المحلية واطلاعهم على جميع الخدمات الاجتماعية و الإنسانية التي تقدمها المؤسسة للفقراء و المعوزين بأداء مميز مع أدوات الإدارة و الحوكمة الحديثة حتى تتحول الجهود المخلصة إلى إنجازٍ مؤسسيٍّ مؤثر.

من هنا، نحن بحاجة الى قادة مؤهلين يمتلكون الفكر الإداري والتنموي يجيدون التخطيط ووضع الحلول للمشكلات بأساليب علمية حديثة ، فالقيادة ليست وراثة ولا مكانة اجتماعية، بل علم وخبرة وقدرة على إدارة الموارد البشرية و الماليةو المعلوماتية بما يحقق الأهداف بأعلى كفاءة ، و الحوكمة ليست مصطلحًا إداريًا جامدًا، بل أسلوب حياة مؤسسية يضمن الشفافية والكفاءة ويُرسخ الثقة بين المؤسسة والمجتمع.

ان ما تحقق من مؤسساتنا حتى اليوم اقل بكثير من المرتجى ،.

‎لقد آن الأوان لأن يستعيد المجتمع بكل شرائحه، دوره كشريك حقيقي في دعم مؤسساته الاجتماعية لا كمجرد متلقٍّ لخدماتها. فنجاح هذه المؤسسات يبدأ من أعضائها، وبالأخص أعضاء الجمعيات العمومية الذين يمثلون السلطة العليا لها كما انهم صوت المجتمع داخلها.

‎إن المرحلة تتطلب وقفة موحدة ومسؤولة، تلتقي فيها الجهود وتتكامل الأدوار بين الإدارة وأفراد المجتمع لضمان استدامة هذه المؤسسات وتطوير أدائها. فكل مؤسسة هي مرآة لوعي مجتمعها، ومتى ما تراجعت المشاركة إختفى بريق الإنجاز.

‎تتجلى هذه الوقفة في الدعم المادي والمعنوي، تجديدًا للعضويات وسدادًا للاشتراكات، وتطوعًا في اللجان الدائمة داخل المؤسسات التي تمر بمرحلة ضعف أو تعثر، كلٌّ وفق خبرته وتخصصه وعندما تتلاقى هذه الجهود تحت رؤية واضحة، يمكن تحويل نقاط الضعف إلى مكامن قوة، بالاستفادة من تجارب مؤسسات أخرى تجاوزت تحديات مشابهة.

‎خطوات بسيطة لكنها كفيلة بإحداث فارق ملموس في الأداء المؤسسي وهي بداية الطريق، وما لا يُدرك كله لا يُترك جله.

مؤسساتنا الاجتماعية ليست ملكًا لأفراد، بل هي رصيد مشترك ومسؤولية جماعية الحفاظ عليها واجب وطني وإنساني، والمساهمة في تطويرها عملٌ نبيل يرفع اسم صفوى ويعزز دورها المجتمعي. فلنعمل معًا من أجل أن تبقى مؤسساتنا قوية، مستمرة ومنسجمة مع مسيرة التنمية الوطنية التي تعيشها مملكتنا الحبيبة ، لتظل صفوى دائمًا كما عهدناها مدينة العطاء والنموذج المضيء في العمل الاجتماعي المنظم.

وأنا على ثقة أن أبناء صفوى بما لديهم من وعيٍ وخبرةٍ وانتماء قادرون على تطوير مسيرة العمل المؤسسي بما يليق بتاريخ هذه المدينة العريقة.