حكيمة الجنوبي.. صانعة الأخبار تنقل أصعب خبر: وفاة أمّها

القطيف: صُبرة
كم من خبر وفاة مرّ بين يدي الصحفية حكيمة الجنوبي، وكم من حكاية حزن صاغتها بكلمات تنقل وجع الآخرين إلى القراء. لكن الخبر الذي واجهته يوم الأحد، 30 ربيع الآخر 1448هـ، لم يكن يشبه شيئاً مما اعتادت كتابته في صحيفة «القطيف اليوم»؛ فقد كانت هذه المرة ابنةً مفجوعة، وكان اسم الراحلة أمّها شيخة علي صفوان.
ولم تكن المهمة كتابة خبر للنشر، بل العثور على كلمات تخبر بها شقيقاتها أن أمّهن التي اجتمعن على محبتها وبرّها قد رحلت، وأن البيت الذي كان يفيض بدعواتها سيواصل أيامه من دون صوتها.
وبعد أيام من الفاجعة، كتبت الجنوبي مقالاً بعنوان «أمي شيخة.. حكاية حبّ لم يُنهها الرحيل»، وأرسلته إلى صحف القطيف، بينها «صُبرة»، وفتحت فيه قلبها، وروت تفاصيل الساعات التي انتزعت منها أمّها، وتركتها أمام امتحان لم تُعِدّها له سنوات العمل الصحفي.
بدأ الصباح عادياً، إلى أن رنّ الهاتف. كانت شقيقتها على الطرف الآخر، وصوتها يرتجف: «الحقي، أمي… أمي ما أدري وش فيها، شكلها ماتت!».
تركت حكيمة كل شيء، وأسرعت إلى منزل شقيقتها، تتشبث بأمل أن تجد أمّها بخير. وهناك وجدت الوجوه مذهولة، والدموع تسبق الكلمات، وحفيد أختها يحاول إنعاش الجدة ويناديها: «أماه، أماه»، لكنها لا تجيب.
كانت الأم قد تناولت دواءها وفطورها، ولم يكن في ذلك الصباح ما ينبئ بأن موعد الفراق اقترب.
وصل الإسعاف، وحمل المسعفون الأم إلى المستشفى، وتبعتهم بناتها بقلوب معلقة بأمل عودتها. لكن الانتظار لم يطل؛ فبعد أقل من نصف ساعة، خرج الطبيب يحمل الخبر الذي لم تكن إحداهن مستعدة لسماعه. رحلت شيخة.
خمسة أمتار من الوجع
في ممر المستشفى، وقفت حكيمة أمام أصعب مهمة عرفتها في حياتها. كانت شقيقاتها ينتظرن الخبر في نهاية ممر لا يتجاوز طوله خمسة أمتار، لكنها شعرت بأن المسافة بينهن تبلغ خمسة أميال. كيف تمشي إليهن؟ وكيف تقول لهن إن أمّهن لن تعود؟
الصحفية التي اعتادت اختيار الكلمات المناسبة لأخبار الآخرين، خانتها الكلمات في خبر أمّها. التفتت حولها، ونظرت إلى شقيقاتها، ولم تستطع النطق. اكتفت بإيماءة حملت ما عجز اللسان عن قوله.
ماتت أمي.. رحلت أمي.
وكتبت الجنوبي تصف المفارقة التي وضعتها أمامها الحياة: «بعد أن اعتدت، بحكم عملي محررةً صحفية في صحيفة القطيف اليوم، أن أتلقى أخبار المرض والرحيل من الآخرين، وجدت نفسي أشارك أخواتي أمام مهمة إعلان خبر وفاة أمي لمن حولنا».
ولم ينتهِ ذلك اليوم عند باب المستشفى. فقد عادت البنات من دونها، ثم توالت مشاهد الوداع؛ الأم مسجّاة على المغتسل، والأحفاد يبكون جدتهم، والأهل والجيران يتوافدون للمواساة، والمحبون يحملون النعش إلى مثواه الأخير.
كل ذلك حدث خلال ساعات، بينما كانت القلوب لا تزال تحاول استيعاب مكالمة الصباح الأولى.
أمّ تحفظ حكايات الناس
ولم تكن شيخة علي صفوان في ذاكرة ابنتها مجرد أمّ حنون، بل كانت أيضاً امرأة تحمل في رأسها حكايات مجتمع، وأسماء عائلات، وصلات قربى، وأحداثاً من زمن مضى.
تقول حكيمة إن والدتها امتلكت ذاكرة قوية تستحضر بها وقائع تمتد إلى ما يقارب قرناً من الزمن، وكانت تعرف أنساب العائلات، وتربط بينها، وتروي تفاصيل الماضي كأن أصحابه ما زالوا حاضرين.
وعاشت شيخة قريبة من أهلها وجيرانها، حريصة على المناسبات الدينية والاجتماعية، لا تتوقف عن السؤال عن الكبير والصغير، ولا تبخل بالدعاء أو الهدية أو العيدية.
وكانت بناتها وأحفادها يجدون في حضورها ما يجعل للمناسبات طعماً مختلفاً؛ فالأم التي تحفظ أخبار الناس كانت تصنع في بيتها أخبار الفرح الصغيرة، من بشارة تسعد بها، إلى هدية تمنحها، ودعوة ترفعها لأحد أبنائها أو أحفادها.
والآن.. من يخبر الأم؟
بعد رحيل شيخة، بقيت تفاصيلها الصغيرة في البيت وفي ذاكرة بناتها؛ سؤالها المتكرر، ودعواتها، وحكاياتها، والهدايا التي اعتادت تقديمها، والأصوات التي كانت تملأ بها المكان.
وتقول حكيمة إن العقل قد يستوعب حقيقة الموت، لكن القلب يحتاج إلى وقت أطول ليتقبل الغياب؛ إذ يظل يبحث عن الراحلين في الوجوه والأماكن والعادات اليومية.
ولعل هذه هي الحكاية التي أرادت الصحفية أن تقولها بعد أيام من رحيل أمّها: ليست كل الأخبار تنتهي بكتابتها، وليست كل الحكايات تنتهي برحيل أصحابها.
فقد استطاعت حكيمة أن تكتب عن وفاة شيخة علي صفوان، بعدما عجزت في ممر المستشفى عن النطق بها أمام شقيقاتها، لكنها لم تكتب خاتمة لمحبتها.
وتركت في نهاية مقالها عبارة تختصر ما بقي من الأم في قلوب بناتها وأحفادها:
«رحلوا عن أعيننا، لكنهم لم يرحلوا من تفاصيلنا؛ فهناك من يغيب عن الحياة، ويبقى فينا عمرًا كاملًا».



