أمي شيخة.. حكاية حبّ لم يُنهها الرحيل


«حاولنا بما نستطيع، لكن لم تستجب.. البقاء لله، عظّم الله لكم الأجر».
بهذه الكلمات باغتنا الحزن قبل أيام، معلنًا رحيل أمي شيخة علي صفوان، التي عاشت سنوات عمرها بيننا، تنسج من دعائها وعملها الصالح وبرّها بنا حكايةً من الحب والعطاء، رحلت أمي بعدما جعلتنا ندرك أن طاعتها وخدمتها لم تكونا مجرد واجب، بل عبادة نتقرّب بها إلى الله، وأن برها عمرٌ من الرعاية، ويدٌ تمتد بالعطاء، وقلبٌ لا يتوقف عن الدعاء.
كان ذلك يوم الأحد، 30 ربيع الآخر 1448 هـ، يومًا مثقلًا بالحزن، ما زالت تفاصيله عالقة في ذاكرتنا، كأنها حدثت قبل لحظات، استيقظت في صباحه كعادتي، وبدأت ممارسة مهامي اليومية البسيطة، دون أن يخطر في بالي أن الساعات الأولى من ذلك اليوم ستقلب حياتنا رأسًا على عقب.
رنّ هاتفي، وكان صوت أختي على الطرف الآخر يحمل من القلق ما يكفي لإيقاف كل شيء، وهي تقول: «الحقي، أمي… أمي ما أدري وش فيها، شكلها ماتت!»، تركت كل شيء خلفي وانطلقت إليها، لا أحمل معي سوى الخوف والرجاء، وأمنية واحدة تملأ قلبي: أن أجد أمي بخير.
وصلت إلى بيت أختي، فإذا بها تبكي، ومن حولها مذهولات، وقد أعجزهن الموقف عن فعل شيء، كان حفيد أختي معنا يحاول إنعاش أمي ويناديها: «أماه، أماه»، لكنها لم تُجب، وأختي تردّد بحيرة: ليس بها شيء، كنت جالسة معها، تناولت الدواء والفطور، وفي تلك اللحظات، لم نلحظ سوى حركة خفيفة في شفتيها، وكأننا نتعلّق بأي إشارة تمنحنا أملًا في بقائها بيننا.
وصل الإسعاف في حالة استنفار لإنقاذ حياتها، فحملوا أمي، وحملنا معها أرواحنا وأمانينا، لم تكن الرحلة إلى المستشفى سوى محاولة أخيرة للتشبّث بأمل أن تعود إلينا كما كانت، تسابقنا خلف سيارة الإسعاف، وقلوبنا معلّقة بها، وكل واحد منا يحدّث نفسه بأن الأطباء قد يتمكنون من إنقاذها، دخلنا المستشفى ونحن ننتظر ونترقّب أدنى بشارة، لكن بعد أقل من نصف ساعة، خرج الطبيب ليعلن رحيل أمي إلى بارئها.
في تلك اللحظة، وقفت مذهولة بين التصديق والتكذيب، كيف يمكن لأمي، التي كانت قبل قليل بيننا، نحمل لها الرجاء وننتظر عودتها، أن تصبح خبرًا نحتاج إلى استيعابه قبل أن نخبر به الآخرين؟ لقد بذلوا ما استطاعوا، لكن الموت إذا جاء أجله، فلا يملك الإنسان أمامه إلا التسليم بقضاء الله وقدره، لتخفيف وطأة الفقد أو استيعاب المفاجأة، وقفت في ذلك الممر، الذي لم يتجاوز طوله خمسة أمتار، وكانت أخواتي جالسات في نهايته، لكنني شعرت وكأن بيني وبينهن خمسة أميال، ثقل لساني بالكلمات، وضاق نفسي في صدري، وأدركت أن عليّ أن أعلن الخبر الذي لم أكن أحتمل سماعه أنا.
التفتُّ يمينًا ويسارًا، فرأيت أخواتي بين من تقف خلفي مع زوجها، وأخريات يجلسن في صمت وذهول، لم أستطع أن أقول شيئًا، فاكتفيت بأن أومئ إليهن، وأخبرهن بصمت موجع: ماتت أمي… رحلت أمي، لم يكن البكاء وحده سيّد الموقف، بل كان هناك يقين عميق بأن هذا أمر الله الذي لا يُردّ، وأننا جميعًا راجعون إليه، مهما امتدت بنا الحياة، ومهما تعلّقت قلوبنا بمن نحب.
خرجنا من المستشفى من دون أمي، نواجه حقيقة الغياب التي لم نكن مستعدين لها، شعرنا وكأن بابًا من أبواب البرّ يوصلنا للجنة قد أُغلق برحيلها، وكأن ركنًا من أركان البيت الذي نأوي إليه طلبًا للطمأنينة قد غاب، لكن ما يهوّن علينا أن أمي، وإن غاب جسدها، لم يغب أثرها؛ فما زرعته فينا من قيم البرّ والمحبة والإيمان سيظل حاضرًا في تفاصيل حياتنا، ونرجو أن يبقى دعاؤنا لها، وما نقدّمه من أعمال صالحة عنها، امتدادًا لذلك الحب الذي لم ينقطع برحيلها، وأشدّ ما يوجع أن تتبدّل الأدوار فجأة؛ فبعد أن اعتدت، بحكم عملي محررةً صحفية في صحيفة القطيف اليوم، أن أتلقى أخبار المرض والرحيل من الآخرين، وجدت نفسي أشارك أخواتي أمام مهمة إعلان خبر وفاة أمي لمن حولنا، ونقل الحزن إلى مسامع كانت تنتظر منا خبرًا آخر.
بقيت تفاصيل ذلك اليوم محفورة في الذاكرة: رنّة الهاتف، وصوت أختي، ومحاولات الإنقاذ، وممر المستشفى، ونظرات أخواتي، والكلمات التي عجز لساني عن قولها. وبقيت حقيقة واحدة أستند إليها كلما أثقلني الحنين: أن الموت حق، وأن الدعاء للأم لا ينتهي بانتهاء أيامها بيننا، عشنا يومها مشاهد شتّى لم تخطر لنا على بال، ولو لبرهة؛ رأينا أمي مسجّاة على المغتسل، وودّعناها بقلوب يعتصرها الألم، وبكت بناتها وأحفادها رجال ونساء، كبار وصغار، دون أن يحاولوا إخفاء حزنهم، وتوافد الأهل والجيران بمجرد سماع الخبر لمواساتنا، ثم حملها المحبّون على أكتافهم في النعش، إلى أن واريناها الثرى.
كانت تلك المشاهد محطات متتابعة خلال ساعات قليلة، في يوم واحد، يصعب على القلب أن يستوعبها مجتمعة، لكنها كانت جزءًا من حقيقة الرحيل التي أصبح علينا أن نتقبّلها، مهما بدا ذلك صعبًا.
وهنا تبدأ رحلة أخرى؛ رحلة التصديق والتقبّل والتعايش مع الغياب.
قد نعترف بعقولنا بأن من نحبهم قد رحلوا، لكن مشاعرنا تحتاج إلى وقت أطول لاستيعاب ما حدث، فالعقل يدرك الحقيقة، بينما يظل القلب يتصرّف بعفوية تجاه من اعتاد وجودهم؛ يبحث عنهم في الوجوه، ويستحضرهم في المواقف، ويستدعي أصواتهم في لحظات الصمت، وكأن شيئًا في داخلنا لا يزال ينتظر عودتهم.
ولعلّ أقسى ما في الفقد أن تفاصيل الحياة الصغيرة تصبح أكثر قدرة على استحضار الغائبين؛ موقف عابر، أو كلمة مألوفة، أو عادة اعتدناها معهم، أو حتى ذكرى تمرّ بنا دون موعد، عندها نشعر بأنهم ما زالوا حاضرين في وجداننا، وأن أثرهم لم يغب برحيلهم، وأن المحبة التي تركوها في قلوبنا لا تنتهي بانتهاء وجودهم بيننا.
ومهما حاولنا أن نهيّئ أنفسنا للغياب، ومهما بلغ بنا العمر من نضج أو كثرت تجاربنا في الحياة، يبقى فقد الأم تجربة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بوقعها عليه قبل أن يعيشها، فليس العمر وحده ما يحدّد قدرتنا على التحمّل، ولا طبيعة العلاقة وحدها ما تقيس حجم الألم؛ إنما هي تلك المساحة التي احتلّتها الأم في أرواحنا، وما تركته من ذكريات ومشاعر وتفاصيل لا يراها الآخرون كما نراها نحن، تعكس ما تتصف به من طيب سجايا.
أمي.. ذاكرة مجتمع وحكاية عمر
لم تكن أمي بالنسبة إلينا أمًّا نلوذ بحنانها ونستمدّ من دعائها الطمأنينة فحسب، بل كانت مرجعًا حيًّا يوثّق ذاكرة المجتمع، بما تختزنه من أحداث وحكايات غابت عن كثيرين، وتروي لنا تفاصيلها من ذاكرة تمتد إلى ما يقارب قرنًا من الزمن، في خدمة من حولها يلهج لسانها بذكر الله وبمحبة أهل البيت عليه الصلاة والسلام، واتصال دائم في جميع مناسبتهم سواء بالمشاركة في خدمتهم وحضور مجالسهم، وعندما عجزت عن ذلك كان مالها هو المحرك بما تستطيع، إلى يوم وفاتها تعودنا أن نجدها ذات ذاكرة قوية في سرد أحداث الماضي، وربط التاريخ بالوقائع، مع تميزها بمعرفة علم الأنساب وربط العوائل فيما بينهم، وكأنهم حاضرين بيننا، بالإضافة إلى تجسيد الدور الأسري والمجتمعي للمرأة منذ صغرها من خلال ممارسة التكسب من العمل في المنزل بما تستطيع.
عاشت أمي عزيزة بين بناتها وأحفادها، تغدق عليهم من دعائها النابع من سريرة صادقة، وتسأل باستمرار عن الكبير والصغير، وعن الأهل والجيران، وكانت للمناسبات والأيام الجميلة نكهة خاصة في حضورها؛ إذ تمنح من حولها رائحة المكان بما يحمل من؛ العيديات، والبشارات، والهدايا بسخاء لا ينفد، وكأن العطاء عندها عادة متأصّلة لا تنتظر مناسبة كي تظهر.
ومع رحيلها، افتقدنا تلك التفاصيل التي كنّا نعيشها ببساطة، ولم نكن نتصوّر يومًا أنها ستصبح ذكريات نستعيدها بشوق. افتقدنا تكرار سؤالها الدائم، ودعواتها، وهداياها، وحكاياتها التي كانت تصل الماضي بالحاضر، وتمنحنا نافذة نطلّ منها على تاريخ عائلتنا ومجتمعنا، لقد رحلت أمي، لكن ما تركته فينا أكبر من أن يختصره الغياب؛ فهناك قيم نتعلّمها من الأمهات بالممارسة، قبل أن نتعلّمها بالكلمات، وتبقى راسخة فينا حتى بعد أن تغيب الوجوه التي علّمتنا إياها.
ومع ذلك، علينا اليقين أن الأيام تستمر بما تحمله من محاولات للتعايش مع الفقد، وهذا لا يعني أننا نسينا، ولا أن الحزن انتهى تمامًا، بل يعني أننا بدأنا نتعلّم كيف نمضي في الحياة رغم الغياب، وكيف نمنح ذكرياتنا مكانًا آمنًا في قلوبنا، دون أن نفقد قدرتنا على مواصلة الطريق، والتصديق بالرحيل لا يعني أن القلب اعتاد الغياب، والتعايش معه لا يعني أن المحبة خفتت؛ إنما هي رحلة يتعلّم فيها الإنسان، يومًا بعد يوم، أن يتقبّل ما لا يستطيع تغييره، وأن يحمل أحباءه الراحلين في ذاكرته ودعائه، ويصون أثرهم الجميل، ويستمد من محبتهم القوة لمواصلة الحياة.
وربما نصل يومًا إلى مرحلة ندرك فيها أن الغياب حقيقة لا مفرّ منها، وأن الحنين جزء من الوفاء، وأن بعض الأماكن في القلب لا يشغلها أحد بعد أصحابها، لكنها تظل تنبض بذكراهم، وترافقنا في كل خطوة، شاهدة على محبة لم يُنهها الرحيل، وإن عجزت أرواحنا عن استيعاب أن لقاءنا بهم لم يعد كما كان.
رحلوا عن أعيننا، لكنهم لم يرحلوا من تفاصيلنا؛ فهناك من يغيب عن الحياة، ويبقى فينا عمرًا كاملًا.
اللهم ارحم أمي بقدر ما أحببناها، وبقدر ما أحسنت إلينا، وبقدر ما تركت في أرواحنا من أثر طيب، اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وآنس وحشتها، وارفع درجتها، واجمعنا بها في مستقر رحمتك، واجزها عنا خير الجزاء.
رحمكِ الله يا أمي، وجعل ما قدّمتِه لنا من حبٍّ وبرٍّ وعطاء نورًا يسبقكِ إلى دار البقاء.



