الأحد 18 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الخيانة الزوجية… ثقة مهزوزة وشروخ في الأسرة والمجتمع

صُبرةالأحد 18 أكتوبر 2026، 2:22 م
الخيانة الزوجية… ثقة مهزوزة وشروخ في الأسرة والمجتمع

فاطمة طه الفرج*

دخلت امرأة إلى العيادة وجلست صامتة لحظات، ثم قالت: «لم أعد أعرف كيف أطمئن إلى شيء. ألوم نفسي أحيانًا، وأخشى أن يتأثر أطفالي، ولا أعرف هل أحاول ترميم علاقتي أم أبتعد عنها». لم يكن دوري ان اختار عنها ا، أو أن ادفعها إلى المسامحة أو الانفصال؛ بل أن امنحها مساحة آمنة لتفهم ما تمر به، وتستعيد توازنها، وتفكر في خياراتها بوضوح.

بدأ التغيير حين جرى التعامل مع الألم بجدية، ووُضعت حدود واضحة تحمي الزوجة والأطفال من استمرار النزاع. ومع تحمّل الزوج مسؤولية أفعاله، ووقف العلاقة الخارجية، ومشاركته في جلسات إرشادية برغبة الطرفين، أمكن فتح حوار أكثر هدوءًا حول ما حدث وما يلزم لإعادة بناء الثقة. لم يكن النجاح وعدًا بعودة العلاقة كما كانت، بل أن تستعيد الزوجة قدرتها على الاختيار، وأن يتعامل الطرفان مع الأزمة بمسؤولية، من دون جرّ الأبناء إلى الخلاف.

الخيانة الزوجية ليست مجرد خلاف عابر؛ إنها خرق لاتفاق الثقة والأمان بين الزوجين. وقد تكون عاطفية أو جسدية أو عبر تواصل سري، ويختلف تعريفها باختلاف حدود العلاقة وما اتفق عليه الزوجان. لكن آثارها لا تقف عند لحظة اكتشافها، بل قد تفتح أسئلة مؤلمة عن الأمان والصدق وقيمة الذات ومستقبل الأسرة.

قد يمر الطرف الذي تعرض للخيانة بالصدمة والغضب والحزن والقلق، أو يجد نفسه عالقًا في التفكير المتكرر ومراجعة تفاصيل العلاقة، وقد يلوم نفسه أو يعاني اضطراب النوم وضعف التركيز. ولا تظهر هذه الآثار لدى الجميع بالشكل نفسه، كما أن حدوثها لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي. وقد وجدت دراسة على أشخاص اكتشفوا خيانة الشريك ارتباطًا بين التجربة ومؤشرات للضيق النفسي والاكتئاب وبعض السلوكيات التي قد تضر بالصحة؛ وهذا يوضح أهمية الإصغاء إلى المتألم وتقييم احتياجاته، لا التقليل من مشاعره أو استعجال تجاوزه للأزمة.

وتمتد آثار الخيانة إلى جو الأسرة حين يتحول البيت إلى ساحة اتهام وصراخ أو صمت طويل. وقد يلتقط الأبناء التوتر حتى إن لم يعرفوا سببه، أو يشعرون بأن عليهم اختيار جانب أحد الوالدين. لذلك من المهم عدم تحميلهم أسرار الكبار، أو استخدامهم رسلًا بين الزوجين، أو مطالبتهم بإدانة أحدهما. وإذا وقع انفصال، فإن حماية الأبناء من النزاع المستمر، والحفاظ على رعايتهم واستقرارهم، يظلان أولوية.

أما اجتماعيًا، فقد تنعزل الزوجة أو الزوج المتألم عن المحيط، أو يتردد في طلب المساندة خوفًا من اللوم والوصمة. وقد تتسع الأزمة إلى تدخلات عائلية تزيد التوتر بدل أن تخففه. المساندة النافعة لا تفرض قرارًا، ولا تتداول تفاصيل الأسرة، بل تساعد صاحبها على التفكير بهدوء والوصول إلى دعم مناسب.

ومن واقع ملاحظتي المهنية في العيادة، أقدّر أن قرابة ثلثي الحالات التي أستقبلها ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بآثار خيانة الزوج لزوجته. وهذا تقدير شخصي لما أراه في نطاق عملي، وليس نتيجة دراسة أو نسبة يمكن تعميمها على المجتمع.

لا توجد استجابة واحدة تناسب جميع الأزواج بعد الخيانة. قد يختار بعضهم محاولة ترميم العلاقة، وقد يقرر آخرون الانفصال. وفي الحالتين، يحتاج الطرف المتألم إلى وقت ومساحة لاتخاذ قراره من دون ضغط. وإذا اختار الزوجان العمل على العلاقة، فإن وقف العلاقة الخارجية، وتحمل المسؤولية بلا تبرير أو لوم للطرف المتضرر، والصدق، والاتفاق على حدود واضحة، ثم الاستعانة بإرشاد متخصص عند الحاجة، خطوات تساعد على معالجة الأزمة. وتشير دراسة استكشافية صغيرة للعلاج الزوجي إلى إمكان تحسن بعض جوانب العلاقة لدى أزواج طلبوا المساعدة بسبب الخيانة، مع بقاء النتائج متفاوتة من زوجين إلى آخر.

الخيانة قرار يتحمل مسؤوليته من اختاره، وليست دليلًا على تقصير الطرف الذي تعرض لها، ولا مبررًا لإيذائه أو إذلاله. والحديث عنها بوعي لا يهوّن من ألمها، بل يساعد الأسر على طلب المساندة، وحماية الأبناء من تبعات الصراع، واتخاذ قرارات أكثر أمانًا واتزانًا.

اهم النصائح التي قدمتها لتلك المرأة

في البداية، خذي وقتًا لتهدئي وتستعيدي توازنك. استعيني بشخص موثوق يحفظ خصوصيتك، وحاولي المحافظة على النوم والطعام والروتين قدر الإمكان. لا تتخذي قرارًا مصيريًا تحت ضغط الصدمة، إلا ما يلزم لحماية سلامتك.
لا تحمّلي نفسك مسؤولية اختيار الطرف الآخر. يمكن مراجعة مشكلات العلاقة لاحقًا، لكن الخيانة قرار يتحمل مسؤوليته من قام بها.
ضعي حدودًا واضحة ومؤقتة. مثل وقف التواصل مع الطرف الثالث، وطلب الصراحة بشأن ما تحتاجين معرفته، والاتفاق على مساحة ووقت للتفكير. وإذا كان هناك احتمال تعرّض لعدوى بسبب علاقة جنسية، فاستشيري طبيبة بشأن الفحوص المناسبة.
لا تسمحي لأحد بفرض المصالحة أو الانفصال عليك.
المسامحة لا تعني بالضرورة الاستمرار، والاستمرار لا يعني أن الثقة عادت؛ خذي قرارك وفق ما ترينه آمنًا ومناسبًا لك.
إذا اخترتما محاولة إصلاح العلاقة، فليكن ذلك برغبة الطرفين وبخطوات ملموسة: إنهاء العلاقة الخارجية، تحمّل المسؤولية، احترام الحدود، والعمل مع مختص مؤهل. عادةً يبدأ العمل باحتواء آثار الأزمة، ثم التفكير في مستقبل العلاقة، من دون افتراض أن البقاء معًا هو الخيار الوحيد.
احميا الأبناء من تفاصيل الخلاف. لا تجعليهم وسطاء أو طرفًا في النزاع، وطمئنيهم بأن ما يحدث ليس ذنبهم.

إذا شعرتِ أن الضيق يعطّل نومك أو حياتك اليومية، أو صاحبه يأس شديد أو أفكار بإيذاء نفسك، اطلبي دعمًا من مختص نفسي أو من خدمات الطوارئ فورًا. خطأ الطرف الآخر لا ينتقص من قيمتك، ومن حقك أن تتخذي قرارك بهدوء وبما يحفظ كرامتك وسلامتك.

كلمة إلى من صدرت منه الخيانة

إلى كل من صدرت منه الخيانة، رجلًا كان أو امرأة: تذكّر أن مشكلات العلاقة قد تفسّر بعض ما مررت به، لكنها لا تبرر كسر الثقة أو تحميل الطرف الآخر مسؤولية اختيارك. إذا كنت نادمًا أو نادمة، فابدأ بتحمّل المسؤولية كاملة، وأوقف العلاقة التي سببت الأذى، وكن صادقًا من دون مراوغة أو تفاصيل جارحة لا حاجة لها. لا تطالب الطرف المتضرر بمسامحتك سريعًا، ولا تضغط عليه ليبقى؛ فاستعادة الثقة تحتاج وقتًا وأفعالًا ثابتة، وقد لا تعود العلاقة كما كانت. احترم حدوده وقراره، واطلب المساعدة المتخصصة إن رغبتما في إصلاح ما يمكن إصلاحه. وإذا انتهت العلاقة، فليكن الانفصال باحترام، مع حماية الأبناء من اللوم والصراع. الندم الحقيقي لا يُقاس بكثرة الاعتذار، بل بالصدق، ووقف الأذى، والاستعداد لتحمّل نتائج الاختيار.

اختصاصية اجتماعية إكلنيكية