سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (11): الاعتذار ينقذ الصداقة من جِراح الكلمات

مما يحفظ حيوية الصداقات الحقيقية ويُبقي المودة والاحتِرام، هو التجاوز السليم والصحي لمحطة توجيه كلمة جارحة أو إساءة في لحظة غفلة أو جهالة أو مزاح ثقيل؛ وذلك من خلال تدارك الموقف وتقدير مدى الألم الذي تسبب به لصديقه، فيقدم اعتذاره الذي يحمل قيمة عالية ومصداقية لاحترام شخصية الآخر والحفاظ على مكانتها.
فاعتذاره اعترافٌ بأن ما صدر عنه قد آلم غيره، واستعدادٌ لفهم ذلك الألم وأضراره النفسية والعاطفية، والعمل مستقبلاً على عدم تكرار السبب المؤدي لحدوثه؛ فإن تكرار المواقف والكلمات الجارحة يشكل تراكماً سلبياً تتلاشى معه المودة والأريحية في تلك الصداقة، حتى تغدو حملاً ثقيلاً لا يتحمّله، ويتخذ في يوم من الأيام قراراً بتجميد تلك العلاقة؛ لا لكُرْهٍ وبغضاء للطرف الآخر، وإنما صوناً لما تبقى في النفس من احترام وتَقْدير، وتلافياً لتصاعد منسوب المواقف المؤلمة بعد ذلك.
فالصداقات الناضجة لا تعني أبداً إلغاء الذات، أو تحمل النزيف المستمر لجراح لا تتوقف، أو التنازل المستمر عن الكرامة؛ فالعلاقة السليمة هي التي تسمح بالتعبير عن الألم والضيق دون خوف من إساءة فهمه، أو حدوث شرخ في علاقتهما بسبب نقده لسلوك يضايقه من صديقه.
فالاختلاف في وجهات النظر أمرٌ طبيعيٌّ في حدوثه بين أفضل الأصدقاء وأقربهم مودة، ولكن ذلك لا يعني تحوله إلى مساحة سلبية لعلاقتهما وحديقة خلفية لتلقي الضربات الكلامية الجارحة؛ فإن الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للتعبير تتألق مع عبير الكلمات الصادقة علاقتهما.
والأهم أنه كلما ازدادت مكانة الإنسان في قلوب الآخرين، كان لذلك استحقاق وترقٍّ في التخاطب والتعامل، وازدادت أهمية أن يكون أكثر وعياً بما يقوله لهم قبل أن ينطق به، من خلال نظام رقابة (فلترة) يتأمل من خلاله الأثر المحتمل لتلك الكلمة، ويساعده في انتقاء الكلمات والتوقف عن بعضها حفظاً للود والاحترام بينهما.
ليست حكاية الكلمة مع محاكمة النيات وارتباطها بمقصد المتكلم، بل المسألة ترتبط في نهاية الأمر بما تخلّفه من آثار في نفس من يثق بك ويحترمك وينسجم معك؛ ولهذا فإن من الحكمة أن نزن كلماتنا بميزان الحكمة والحذر مما يسيء للغير، وأن نتذكر أن الكرامة الإنسانية تُصان بالامتناع عن إيلام الآخرين وأذيتهم على مستوى التخاطب.
فبعض الكلمات تخلق فجوات في علاقة الأصدقاء، وقد تتسع مع مرور الوقت إذا تكرر فعلها ولم يكن هناك اعتذار من قائلها؛ حيث تصاب العلاقة بالهشاشة وضعف الدفء الوجداني. فهناك معركة يخوضها من يستمع لكلمة جارحة أو مسيئة مع دواخله بعد أن أصابها الألم، ولا يمكن محو أثرها وتبعاتها السيئة تماماً إلا من خلال اعتذار حقيقي وجهد يظهر معه صدق الندامة؛ فكثير من الكلمات التي تبدو عابرة ولا تستحق الوقوف معها في نظر قائلها، قد كانت السبب في خلاف يصل إلى القطيعة بعد أن أحدثت حاجزا يمنع من تقاربهما وتفاهمهما مجدداً.



