السبت 24 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولًا 24 | الحيل الشرعية في الربا

صُبرةالسبت 24 أكتوبر 2026، 11:02 ص
القرآن أولًا 24 | الحيل الشرعية في الربا

الشيخ علي الفرج

الحيل الشرعية: هي إجراء معاملة في ظاهرها المشروعية، بقصد التحايل على حكم شرعي أو التخلص من أثر الحرمة.

ومثال خارج الربا: أن يملك الزوج مالا بلغ النصاب، فيهب المال لزوجته قبل حلول وقت تعلق الزكاة به، قاصدا التخلص من وجوبها، ثم تعيد الزوجة المال إليه بهبة جديدة بعد مضي وقت الزكاة. ومثل ذلك في الخمس.

قبل بيان الحيل الشرعية في المعاملات الربوية، لا بد من التمهيد بأمرين يمثلان أساسا في تشخيص حقيقة المعاملة والحكم عليها.

الأمر الأول: الحيلة على الحكم الإلهي في ضوء القرآن

قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۛ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163].

تتحدث الآية عن جماعة من بني إسرائيل نهوا عن الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم ظاهرة بكثرة في ذلك اليوم، ولا تأتيهم في غيره. فاحتالوا على النهي بحبس الحيتان يوم السبت، ثم أخذها في اليوم التالي، فكان ذلك تعديا على الحكم الإلهي، وقد وصف الله تعالى سلوكهم بالفسق.

وموضع الشاهد أن تغيير طريقة العمل وصورته لا يرفع المخالفة إذا بقيت حقيقتها. فمتى كانت الحيلة وسيلة إلى مخالفة حكم إلهي ثابت، لم يكن تغيير الصورة الظاهرة كافيا للخروج عن ذلك الحكم.

الأمر الثاني: موضوع الحكم بين العنوان والمعنون

من القواعد المحورية في تشخيص الأحكام الشرعية أن لكل حكم موضوعا. وهنا يطرح السؤال: هل يتعلق الحكم بالعنوان، أم بالمعنون؟ وبعبارة أخرى: هل المدار على الاسم الذي أطلقت به المعاملة، أم على حقيقتها وواقعها؟

والصحيح في هذا المبنى أن العنوان طريق إلى معرفة المعنون، وأن المدار في تشخيص موضوع الحكم هو حقيقة الشيء وواقعه، لا الاسم الذي أطلق عليه، إلا إذا دل الدليل على أن للعنوان خصوصية في الحكم.

ومثال ذلك عنوان الرفث في آية الصيام؛ إذ لا بد من البحث في المراد منه، وهل يشمل الاستمناء، أم يختص بالعلاقة الجنسية المعروفة؟ فالحكم يتوقف على تحديد المعنى الذي أراده الشارع من العنوان، ثم تطبيقه على الواقع، لا الاكتفاء بظاهر اللفظ. وقد توسعنا في بيان هذه المسألة في بحث «تنقيح المناط» من كتاب مرجعية القرآن.

الحيلة الشرعية والربا

في ضوء مبنى مرجعية القرآن، يكون المعيار في الحكم على المعاملات المالية هو حقيقتها، لا العناوين التي تصاغ بها. ومن هذا المنطلق، يمكن بيان صور المعاملات المتعلقة بالربا على النحو الآتي:

أولا: القرض بزيادة تحت عنوان البيع

إذا أقرض شخص آخر عشرة آلاف، واشترط عليه رد اثني عشر ألفا، ثم أطلق على المعاملة اسم البيع من دون أن يتحقق بيع حقيقي، بقيت المعاملة قرضا بزيادة مشروطة، ولم يغير تبديل الاسم حقيقتها.

فهذه المعاملة محرمة؛ لأن الزيادة المشروطة ناشئة من القرض، وتغيير عنوانها لا يرفع حكمها.

ثانيا: البيع الصوري

إذا اتفق شخصان على إقراض أحدهما الآخر مبلغا من المال بزيادة، وأرادا إخفاء القرض تحت عنوان البيع، أضافا سلعة كقلم أو هاتف؛ فيدفع الأول إلى الثاني المبلغ والسلعة، على أن يرد الثاني المبلغ مع زيادة يتفقان عليها مسبقا.

فهذه المعاملة قرض ربوي، ما دامت السلعة وسيلة صورية لإخفاء القرض، ولم يكن المقصود بيعها حقيقة، ولا يغير حكمها إضافة السلعة أو تسمية المعاملة بيعا.

ثالثا: تعدد العقود للتحايل على الربا

قد يلجأ الطرفان إلى عقدين متتابعين لإخفاء القرض الربوي تحت عنوان البيع، وذلك بأن يبيع أحدهما مالا للآخر بثمن نقدي معلوم، ثم يبيع الآخر سيارته للأول بثمن مؤجل أعلى.

فإذا كان البيعان صوريين، وكان المقصود الحقيقي إقراض المال بزيادة مشروطة، بقيت المعاملة قرضا ربويا، ولم يغير تعدد العقود حقيقتها. أما إذا كان البيعان حقيقيين، فلا يحكم بحرمة المعاملة لمجرد اختلاف الثمنين، بل لا بد من تشخيص حقيقتها وشروطها.

خلاصة المعاملات المالية

يتضح مما تقدم أن المعاملات المالية، على مبنى مرجعية القرآن، تنقسم من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام:

١ – المعاملة المحرمة: وهي المعاملة التي تقوم حقيقتها على إقراض المال مع اشتراط الزيادة، سواء أجريت بعنوان القرض، أم الدين، أم أخفيت حقيقتها ضمن عقود البيع أو غيرها من المعاملات. فالعبرة بحقيقة المعاملة، ولا يرفع تغيير العنوان حكمها.

٢ – المعاملة الجائزة: وهي المعاملة التي لا تقوم على إقراض المال بزيادة مشروطة، بل على الإيداع أو الاستثمار أو البيع أو غيرها من الأنشطة المالية المشروعة. ويجوز إجراؤها بالنقود أو الذهب أو غيرهما من الأموال، ما دامت مستوفية لشروطها الشرعية.

وقد ذهب الفقهاء إلى حرمة التفاضل في بيع الجنس الواحد إذا كان من المكيل أو الموزون، وعدوه من الربا في المعاملات. أما على مبنى مرجعية القرآن، فالأصح جواز التفاضل في هذه المعاملة؛ لعدم ثبوت تحريمه بدليل قرآني. وهذا الحكم يختلف عن القرض الربوي؛ إذ لا تقوم المعاملة هنا على إقراض المال مع اشتراط الزيادة، بل على بيع حقيقي مستقل عنه.

٣ – المعاملة المشتبهة: وهي المعاملة التي لم تتضح حقيقتها، وهل هي قرض بزيادة مشروطة، أم معاملة مستقلة عنه. وفي هذه الحالة، لا بد من التحقق من حقيقتها وشروطها قبل الحكم عليها.

والأساس في مبنى مرجعية القرآن أن تغيير اسم المعاملة أو صورتها لا يبيح الربا ما دامت حقيقته باقية. أما المعاملات المستقلة عن القرض الربوي، فالأصل فيها الجواز ما لم يقم دليل قرآني على تحريمها.

وبذلك يكون الميزان في التمييز بين الحيلة المحرمة والمعاملة الجائزة هو حقيقة المعاملة، لا اسمها أو صورتها الظاهرة.