الأحد 1 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الجذور التاريخية لنشأة الصهيونية العالمية

صُبرةالأحد 1 نوفمبر 2026، 10:56 ص
الجذور التاريخية لنشأة الصهيونية العالمية

محمد السنان

منذ إن كنا تلامذة في المرحلة الإبتدائية في منتصف الخمسينات من القرن المنصرم وحتى يومنا هذا ونحن نلقن عبر المناهج الدراسية وعبر وسائل الإعلام المختلفة لاحقاً بأن المنظمة الصهيونية هي حركة ذات منشأ يهودي ترمي إلى ترسيخ فكرة إن اليهود هم وحدهم شعب الله المختار، وأن احتلالهم لأرض فلسطين وتهجير شعبها إنما يحتكم إلى الوعـد الذي قطعه الله لهم بالعودة إلى أرض الميعاد ألا وهي أورشليم (القدس) ليستقروا فيها ولينشأوا دولتهم عليها. ولكن يبدو أن الحقيقة التاريخية تقول غير ذلك.

وقبل أن نقبل أو نرفض هذا المنطق يجب علينا تتبع و معرفة الجذور التاريخية لنشأة هذا التنظيم الخطير لنتبين إن كان المنشأ يهودياً أم غير ذلك.

وهذا يستدعي العودة في بحثنا إلى القرن السادس عشر عندما قام مارتن لوثر بحركته التصحيحية أو الإصلاحية ضد الكنيسة الكاثوليكية والبابا والتي تولدت منها الحركة البروتستانتية (المعارضة) والتي أصبحت فيما بعد المذهب الثالث في الديانة المسيحية بجانب الكاثوليكية والأرثذوكسية.

وقد استمد مارتن لوثر أسس ثورته على الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها ركزت جل اهتماماتها على العهد الجديد (الإنجيل) الذي استمدت منه تعاليمها وتشريعاتها وأهملت بشكل متعمد العهد القديم (التوراة) الذي يعتبر الركن الأساسي للتشريعات السماوية بينما العهد الجـديد (الإنجيل) هو وحي من السماء (روح القدس) تلقاه تلامذة السيد المسيح “متى – مرقس – لوقا – يوحنا” كإلهام سماوي وليس كتاب منزل كما هو الحال بالنسبة للقرآن لدى المسلمين،وهؤلاء الأربعة هم من قاموا بتدوين ذلك الوحي الإلهامي في كتب (أناجيل) حملت أسماء كل واحد منهم، وبذلك أصبح لدينا ليس إنجيل واحد بل أربعة أناجيل وجميعها يطلق عليه صفة “العهد الجديد”.

ففي الفكر المسيحي التقليدي لا ينظر إلى الوحي باعتباره نصاً مكتوباً، وإنما هو “إلهام إلهي” قام الشخصيات الأربعة بتدوينه وفقاً لخبرات كل منهم والظروف التاريخية التي عاشوها مع الأخذ في الإعتبار عصمتهم جميعاً من الخطأ على اعتبار أن بعضهم كان من تلامذة المسيح المباشرين وسمعوا أقواله مثل “متى ويوحنا” أما الإثنين الآخرين فقد اعتمدا على روايات شهود العيان والتقليد الشفوي الموثق، كما يظهر ذلك في إنجيل “لوقا”وبذلك تعتبر النصوص المدونة “وحي من الله”.

ومع أن مارتن لوثر لم ينكر “العهد الجديد” لكنه تشبث بالعهد القديم (التوراة) والذي ربط ظهور المسيح بعودة اليهود إلى أرض أورشليم (القدس)، حيث تزخر أسفار العهد القديم (التناخ/التوراة والأنبياء) بنبوءات تشتت بني إسرائيل ثم عودتهم إلى أرض الميعاد.

بينما العهد الجديد لا يحتوي على نص صريح يربط عودة اليهود إلى أرض “اورشليم” بالتحديد كشرط حتمي لظهور المسيح للمرة الثانية. ومن هنا يظهر الإختلاف بين مذهب مارتن لوثر (البروتستانتية) ومذاهب أصحاب الأناجيل الأربعة التي تمثل العهد الجديد، مما أدى إلى ترسيخ فكرة أن اليهود هم “شعب الله المختار” وأن عـودة المسيح مرهون بعودة بني إسرائيل إلى أرض فلسطين “أورشليم”.

وبعد هذه المقدمة، بقي أن نعرف علاقة كل من البروتستانتية المسيحية واليهودية، با ” الصهيونية”، ومن أين جاءت هذه الكلمة.

كلمة “صهيون” وردت في المعاجم على أنها كلمة قديمة ذات جذر كنعاني، وقد أطلقت على جبل يقع في شرق مدينة أورشليم (القدس) كما ورد ذكرها عشرات المرات في أسفار العهد القديم( التوراة و التلموذ)، وكذلك كتب التراث اليهودية.

وقد اكتسب ذلك الجبل قدسيته لدى اليهود لأنه كان يقع ضمن حصن “يبوس” القديم الذي فتحه النبي داوود وأسس فيه عاصمته (مدينة داوود). ومع مرور الزمن توسع المفهوم ليشمل تل جبل صهيون الحالي، كما أصبح مصطلح “صهيون” مرادفاً لمدينة القدس بأكملها ومن ثم توسع ليشمل كل أجزاء فلسطين المحتلة التي كونت دولة إسرائيل.

وفي النصوص اليهودية القديمة وأسفار مزامير النبي داوود يصور جبل صهيون على أنه “بيت الله” الذي اختاره ليسكن فيه هو وشعبه.

كما يضم جبل صهيون مبنى تاريخي يقدس في التقاليد اليهودية على أنه مقام النبي داوود الذي دفن فيه مما جعله مزاراً دينياً مهماً.

ومن هنا يتبين لنا مدى الإرتباط بين حركة مارتن لوثر البروتستانتية الإصلاحية في القرن السادس عشر الميلادي بالحركة الصهيونية التي نشأة كحركة سياسية في أواخر القرن التاسع عشر. ومع أن العلاقة قد تبدو غير مباشرة إلا أنها ذات أثر لاهوتي وتاريخي عميق.

حيث مهدت أفكار مارتن لوثر وتأسيسه لمذهبه البروتستانتي لظهور تيارات فكرية ودينية لا حقة مثل “الصهيونية المسيحية”.

وقد ساعد في انتشار الصهيونية المسيحية قيام مارتن لوثر بمقاطعة الكنيسة الكاثوليكية عبر مبدأ العودة إلى الكتاب المقدس وحده (العهد القديم)، وكأنه ينزع القداسة عن العهد الجديد دون أن يصرح بذلك، مما أدى إلى سرعة ترجمة “التوراة” والعهد الجديد إلى اللغات المحلية ونشرها بين العامة في كتاب واحد وذلك لأول مرة عبر التاريخ.

وقد ساهم التركيز على إحياء “العهد القديم” وقصص الأنبياء وبني إسرائيل إلى ترسيخ عقيدة “أرض الميعاد” باعتبارها أورشليم التي تضم جبل صهيون، مما أدى إلى خلق تماثل بين المجتمعات البروتستانتية الناشئة في كل من إنجلترا وأمريكا فيما بعد وبين إسرائيل، وهو ما أسس لا حقاً للرؤية التوراتية التي تبنتها الصهيونية المسيحية.

وقد أسس هذا المفهوم لظهور تحالف لاهوتي وسياسي مبكر بين الدوائر البروتستانتية الغربية والفكرة الصهيونية قبل أن تتبلور الحركة الصهيونية اليهودية على يد “ثيودور هرتزل”بعد أن تعرض لضغوط سياسية من متشددي البروتستانتية مثل اللورد البريطاني “أنتوني شافتسبريAnthony Shaftesbury” وهو يروتستانتي إنجيلي شديد التدين ومن أكثر المؤمنين بالصهيونية المسيحية ومن أقوى المدافعين عن وطن قومي لليهود تحقيقاً للنبوءة الدينية كما جاءت في العهد القديم.

ومن هنا يتضح لنا أن ارتباط حركة مارتن لوثر التصحيحية بالصهيونية ليست مجرد تحالفاً سياسياً بل هي علاقة “تأسيس فكري”.

فالبروتستانتية كسرت الإحتكار البابوي للكتاب المقدس (العهد الجديدي) وأعادت الإعتبار لنصوص العهد القديم والجغرافيا التوراتية، بل إنها وفرت الغطاء العقائدي والسياسي والمالي لاحقاً للحركة الصهيونية العالمية لإقامة دولة إسرائيل.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن حركة المطالبة بإيجاد وطن خاص باليهود قد نشطت وتبلورت في القرن التاسع عشر، حين قام الأمريكي الصهيوني المسيحي ” وليام يوجين بلاكستون William Eugene Blackstone” بصياغة العريضة التاريخية التي عرفت ب “”Blackstone Memorial وذلك في عام 1891م وقدمها للرئيس الأمريكي بنجامين هاريسون مطالباً فيها بدعم أمريكا لإعادة اليهود إلى فلسطين.

وبعد ذلك بستتة أعوام تقريباً أي في عام 1897م دعا الصحفي النمساوي ذو الجـذور المجرية وأهم قياديي الحركة الصهيونية والأب الروحي لها “ثيودور هرتزل” لعقد أول مؤتمر صهيوني في مدينة “بازل” بسويسرا بعد أن فشلت كل المحاولات لعقده في مدينة “ميونخ” بألمانيا بسبب رفض قيادات اليهود الألمان ذلك معتبرين أن الحركة الصهيونية وأفكارها تشكل تهديداً لوضعهم بالإندماج في المجتمع الألماني.

وقد حضر المؤتمر أكثر من مائتي مندوب يهودي من مختلف أنحاء العالم، والذي تمخض عن صياغة “برنامج بازل” الذي نص بوضوح على أن هدف الصهيونية هو “إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين مضمون قانونيا”.

وقد اعتمد هيرتزل ومن بعده قيادات الحركة الصهيونية على استراتيجية “الدبلوماسية الدولية” من خلال السعي لكسب تأييد الدول العظمى في ذلك الوقت مثل “الدولة العثمانية وبريطانيا وألمانيا وروسيا” عبر استغلال النفوذ المالي والسياسي وتقديم الوعـود بخدمة مصالح تلك الإمبراطوريات مقابل الحصول على الدعم لتوطين اليهود في فلسطين.

وقبل نهاية الحرب العالمية الأولى بعام تقريباً، أي في 2 نوفمبر 1917م صدر وعـد من وزير خارجية بريطانيا آنذاك “جيمس بلفور” عبر وثيقة قدمها ل “الإتحاد الصهيوني” عن طريق “اللورد ليونيل روتشيلد” أحد أبرز قيادات الجالية اليهودية في بريطانيا بإسم بريطانيا وإيرلندا تنص على الآتي:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذا الغرض، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتهك الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.”

​ويُعتبر هذا الوعد خطوة محورية مهدت لتأسيس إسرائيل، حيث أعطى الحركة الصهيونية غطاءً سياسياً وقانونياً دولياً لتحقيق أهدافها.

وبعد إصدار الوعـد بشهر واحـد فقط، أي في ديسمبر 1917 دخلت القوات البريطانية بقيادة “الجنرال إدموند أللنبي” مدينة القدس وأتمت احتلال كامل فلسطين وفرضت حكماً عسكرياً لتصبح فلسطين بعد ذلك تحت الإدارة العسكرية البريطانية المباشرة، مما مهد الطريق العملي لتنفيذ المشروع الصهيوني، وفرضت حكماً عسكرياً ممهدة لتنفيذ التعهدات السياسية التي قطعتها للحركة الصهيونية.

وبعد ذلك تم اعتماد “وعـد بلفور” من قبل عصبة الأمم التي تبنت صك الإنتداب البريطاني على فلسطين عام 1922م والذي نص صراحة على وضع “وعـد بلفور” موضع التنفيذ، الأمر الذي منح الوجود والنشاط الصهيوني في فلسطين غطاءً قانونياً دولياً.

وبموجب ذلك فتحت سلطات الانتداب أبواب فلسطين أمام موجات الهجرة اليهودية الواسعة القادمة من أوروبا.

كما ساعدت الإدارة البريطانية المنظمات الصهيونية (مثل الصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية) على شراء الأراضي من ملاكها (وغالباً أقطاب الإقطاع الغائبين) وطرد المزارعين الفلسطينيين منها، مما غيّر الديموغرافيا السكانية تدريجياً.

وقد ​واجه الشعب الفلسطيني هذا المشروع الاستعماري بثورات متتالية (مثل ثورة البراق 1929، والثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939)، إلا أن سلطات الاحتلال البريطاني قابلت هذه الثورات بـ قمع دموي شديد، شمل أحكام الإعدام، الاعتقالات الجماعية، هدم المنازل، وفرض أحكام عرفية، فضلاً عن التعاون العسكري مع العصابات الصهيونية المسلحة (مثل الـ “هاجانا”) في تدريب عناصرها وتشكيل قوات مسلحة لها.

​وفي نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين (يهودية وعربية)، وهو ما أعطى الشرعية الدولية النهائية لتنفيذ الوعد.

و​مع انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 وانسحاب القوات البريطانية، أعلنت القيادات الصهيونية قيام “دولة إسرائيل”، متزامناً ذلك مع النكبة وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وتدمير مئات القرى والبلدات.

في عام 1951م تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية على يد الصحفي والمحامي اليهودي الكندي الأصل والذي ينحدر من أسرة صهيونية”أشعيا كينين” منظمة (AZCPA) وهي اختصار ل “اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة”، وقد كان الهدف من تأسيس اللجنة هو للضغط على الحكومة الأمريكية من أجل تقـديم المساعـدات المالية والإقتصادية والسياسة لدولة إسرائيل والتي تم تحويل إسمها فيما بعد أي في عام 1945م ليصبح (AIPAC) وهو إختصار إلى ” لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية” وذلك بطلب من الحاخام “فيليب بيرنشتاين” الذي كان يشغل حينها رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة وبالتنسيق مع “أبا إيبان” االسفير الإسرائيلي لدى واشنطن والأمم المتحدة فيما بعد وكذلك “موشيه شاريت” وزير الخارجية الإسرائيلي حينئذ، وذلك لأن كلمة إسرائيل تعني إسم دولة، مما يعني إن المساعـدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لدولة أخرى قد تكون أضعاف المساعـدات التي تقدمها للجنة أو منظمة، هذا من ناحية، ومن ناحية إخرى إن ذلك من شأنه أن يبعـد الحساسية بارتباط دولة عظمى بمنظمة سياسية ذات أهداف غير وطنية مما قد يثير الكثير من الريبة والتساؤل لدى المواطن الأمريكي الذي يعتبر الممول الحقيقي لتلك المساعدات المالية التي تقتطع من الضرائب التي تجبى منه.

وبذلك تضمن إسرائيل تحقيق الهدف الرئيسي وهو ترسيخ التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وضمان بقائها قوية وثابتة، بالإضافة إلى ضمان الدعم المالي والعسكري والسياسي في المحافل الدولية، كما أن ذلك من شأنه التأثير على الكونغرس وصناع القرار وتوجيه الضغوط السياسية ومراقبة التشريعات والقرارات المرتبطة بالشرق الأوسط لضمان توافقها مع الموقف الإسرائيلي، وخصوصاً إذا علمنا – حسب إحصائية صديقنا جوجل – بأن عدد الصهاينة المسيحيون في الولايات المتحـدة الأمريكية يتراوح بين 30 إلى 40 مليون، بينما لم يتجاوز عـدد الصهاينة اليهود 6 مليون على أكثر تقـدير، الأمر الذي يؤكـد أن الصهيونية هي مسيحية بروتستانتية أنجليكية بامتياز.