«بلاغ».. مسؤولية لا وشاية..!

حبيب محمود
هل أساء بعض مستخدمي منصة «إكس» فهم مبادرة «بلاغ»؟ أم وجدوا فيها فرصة لتصفية حسابات شخصية وفكرية، وإشباع رغبات خفية في التشفي والنكاية وإيذاء الآخرين؟
من خلال تصفحي للمنصة، صُدمت بحجم الحماسة التي يبديها بعض الناشرين في الدعوة إلى الإبلاغ عن أشخاص بسبب عبارات عابرة، أو آراء تحتمل النقاش، أو مواقف هامشية وعفوية، يكفي للرد عليها رأي مقابل رأي، وحجة مقابل حجة.
المقلق في المشهد هو ذلك الاستعداد لتحويل كل اختلاف إلى قضية، وكل عبارة مستفزة إلى مخالفة، وكل خصومة كلامية إلى بلاغ تنتظر الجهات المختصة الفصل فيه!
وهنا يبرز فارق جوهري بين ثلاثة مفاهيم: النقد، والإبلاغ، والوشاية. فالنقد حق يمارسه الإنسان في مواجهة الرأي بالرأي، والإبلاغ مسؤولية تقتضي وجود واقعة تستحق تدخل الجهات المختصة، أما الوشاية فهي استغلال آلية الإبلاغ للإضرار بالآخرين، تحت غطاء الحرص على النظام والمصلحة العامة.
ومن الإنصاف القول إن بعض هذه الممارسات قد يصدر عن سوء فهم حقيقي لحدود المبادرة، بينما تثير ممارسات أخرى تساؤلات مشروعة حول الدوافع والنيات. وفي الحالتين، فإن النتيجة واحدة: توسيع دائرة الاشتباه في الكلام العادي، وتضييق مساحة الاختلاف الطبيعي بين الناس.
الأخطر أن تتحول ثقافة الإبلاغ، لدى بعض المستخدمين، إلى ثقافة ترصد؛ يفتش فيها المرء عن زلات الآخرين بدلاً من مناقشة أفكارهم، ويستدعي سلطة الجهات المختصة إلى معارك كان يمكن حسمها بكلمات قليلة.
ثم إن للجهات المعنية وقتاً وجهداً ومسؤوليات. والله يعين العاملين فيها على فرز البلاغات الجادة من سيل الشكاوى التي قد تحمل من الخصومات الشخصية أكثر مما تحمل من الوقائع المستحقة للنظر.
إن حماية المجتمع مسؤولية، وكذلك حماية حق الناس في الاختلاف والتعبير.
والمبادرة الناجحة هي التي تشجع البلاغ المسؤول، لا التي تتحول في أيدي بعض المتحمسين إلى سلاح في الخصومات.



