سيرة طالب 132] أزقة النجف.. سيرة غرفة
![سيرة طالب 132] أزقة النجف.. سيرة غرفة](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2024%2F08%2F%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AC-4-jpg.avif)
الشيخ علي الفرج
في سنة 1410هـ بدأتُ أولى خطواتي في طريق الدراسة الحوزوية في النجف الأشرف؛ تلك المدينة التي لا يُدرِك عظمتها إلا من سكن أزقتها، وعاشر ليلها ونهارها، وتنفس عبق العلم فيها، وبجوار أمير المؤمنين (ع).
كان مسكني حينها في مدرسة الآخوند الخراساني، حيث ابتدأت حياتي العلمية ببساطة لا تخلو من شغف، إذ سكنتُ أول الأمر مع أحد الطلبة في غرفته، أقتسم معه المكان كما أقتسم معه البدايات، ثم ما لبثتُ بعد أكثر من شهر أن استقللتُ بغرفةٍ خاصة، وهي أول ملامح الاستقلال في درب طويل.
ولم تخلُ تلك المرحلة من نفحات الودّ الصادق؛ فقد جلستُ مدة شهر أو يزيد في غرفة الرادود الكبير الشيخ حسين الأكرف، حين سلّمني مفتاحها وسافر إلى بلده، وتترجم هذه المفاتيح البساطة، وهي أصدق صور المحبة.
وأذكر في أيام النكبة واضطراب الغزو العراقي للكويت، حين كانت النفوس مثقلة بالقلق، والآفاق ملبّدة بالخوف، أنني سكنت مع الشيخ ميثم الخنيزي (حفظه الله) في غرفته في المدرسة نفسها. وكانت تلك الغرفة يومئذ تعد من الغرف المرفهة بين سائر الغرف، إذ حظيت بمكيف صحراوي لم يكن مألوفاً لدى بقية الطلبة، فهي على بساطتها واحة وادعة في صحراء التقشف التي ألفناها.
وأستعيد بذاكرتي اليوم الذي انتقلنا فيه من مدرسة الآخوند إلى مدرسة القوام؛ كان الانتقال مشفوعاً بإصرار ورغبة عميقة، فقد قيل إن إحدى غرفها قد سكنها السيد حسين الطباطبائي صاحب “الميزان”، فمؤكد أن جدرانها تحمل عبق علمه، فكانت غرفتي مقابل غرفته.
وزاد من وهج هذا التطلع قرب هذه المدرسة من حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى إنه عندما كنا نصعد إلى السطح للنوم، نرى قبته (عليه السلام) أمام أعيننا حتى نغفو.
لب العرفان
وفي أروقة مدرسة الآخوند تلك، لفت نظري أحد الطلبة، كان مختلفاً عن الجميع؛ لا يكاد يكلّم أحداً، منقطعاً عن الناس، كاد أن يضرب بينه وبينهم حجاباً. عرفتُ عنه أنه يسلك مسلك العرفان، واستدللتُ على ذلك بأمورٍ:
– اشتغاله بالفلسفة والعرفان.
– صمته عن جميع الخَلْق، فلا يخاطب إلا خالقه.
– مشيه شبه محدودب رغم حداثة سنّه العشريني.
– عمامته الكبيرة التي تضفي عليه الهيبة.
كنتُ أنظر إليه بعين الإعجاب حينها، وأتمنى أن أبلغ ما بلغه، وأصل إلى ما تصوّرته يومئذٍ من مقام “الفناء الإلهي”؛ حيث يغيب الإنسان عن كل شيء سوى الله، هكذا كنت أقول.
غير أن السنين، بما تحمله من تجارب وتبصّر، كشفت لي حقيقةً أعمق؛ أن ما كنت أراه لم يكن إلا شكلية العرفان، لا حقيقته. أدركتُ أن لبّ العرفان ليس في الانقطاع عن الناس، وإنما في الاتصال بالله عبرهم، وفي خدمتهم، وقضاء حوائجهم، وإدخال السرور على قلوبهم؛ هو أن تبتسم في وجوههم، وتتواضع لهم، وترى نفسك دونهم جميعاً.
ومن أصدق ما ترسّخ في نفسي في هذه الحياة، وما جعلتُهُ نصب عيني دائماً، ما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “ما تمّ عقل امرئ حتى تكون فيه خصال شتى -وذكر منها-: أن يرى الناس جميعاً خيراً منه، ويرى نفسه شرهم، وذلك هو تمام الأمر”. (الكافي للكليني، ج1، ص19).



