فيديو | القصة الكاملة لبداية التمريض في القطيف برواية أمل العوامي

هذه القصة شهادة دقيقة على مرحلة اجتماعية مفصلية من تاريخ المجتمع السعودي، ومجتمع القطيف على نحو خاص؛ مرحلة بدأت فيها المرأة دخول المجال الصحي وسط كثير من التحفظ الاجتماعي، قبل أن تتحول الممرضة السعودية إلى جزء أساسي من المشهد اليومي في المؤسسات الصحية.
القطيف: ليلى العوامي
في صباحات كثيرة بين عامي 1400 و1402هـ، كانت فتيات صغيرات يقفن عند أبواب المنازل بعباءات سوداء تظهر منها أطراف من ملابس بيضاء تلفت أنظار المارة، ينتظرن حافلة صغيرة يوصلهن إلى معهد التمريض قرب مستشفى القطيف العام، في حي الشويكة.
وحين تتأخر الحافلة أحياناً، كانت سيارة الإسعاف نفسها تتولى المهمة.
بالنسبة للمجتمع آنذاك، لم يكن المشهد عادياً.

فكرة أن تعمل فتاة من «بنات البلد» داخل مستشفى، وبين أطباء رجال أجانب، كانت جديدة وثقيلة على مجتمع لم يعتد بعد رؤية المرأة خارج مسارات العمل التقليدية، لكن تلك الرحلات اليومية الصغيرة كانت تؤسس، بهدوء، لبداية واحدة من أهم التحولات الاجتماعية والمهنية في محافظة القطيف، وفي المملكة العربية السعودية.
بعد نحو 47 عاماً، تستعيد أمل علي محفوظ العوامي تلك الأيام بوصفها شاهدة على ولادة جيل التمريض النسائي الأول في القطيف؛ جيل بدأ يدرس التمريض في أربع شقق صغيرة في حي المسعودية، وانتهى بفتح الطريق أمام مئات الممرضات السعوديات لاحقاً.

بداية الحكاية
تعود أمل بذاكرتها إلى ما بعد إزالة منطقة القلعة في القطيف، حين انتقلت عائلتها إلى العوامية وسكنت «الفريق الشملي»، وهناك أكملت دراستها المتوسطة.
وفي تلك الفترة، وصل تعميم من مستشفى القطيف العام إلى مدارس البنات، يطلب الراغبات في الالتحاق بمعهد التمريض.
تقول أمل إن أختها تحمست للفكرة أولاً، وسجلت اسمها معها، رغم أنهما كانتا لا تزالان في المرحلة المتوسطة.
وتضيف «من يوم كنا صغار، وأنا أحب أمثل دور الدكتورة إذا لعبنا في البيت، لذلك الفكرة دخلت قلبي بسرعة».

لم يعترض الوالدان على القرار، لكن المجتمع كان أكثر تحفظاً.
تقول أمل «الناس كانوا مستغربين… كيف بنت تشتغل في مستشفى؟ وكيف يكون فيه اختلاط مع أطباء أجانب؟».
ومع ذلك، بدأت الرحلة.

أربع شقق فقط
لم يكن المعهد مبنى تعليمياً مستقلاً كما هو الحال لاحقاً، بل أربع شقق متواضعة في حي المسعودية قرب مستشفى الشويكة؛ واحدة للدراسة، والثلاث الأخرى لسكن المدرسات المصريات العاملات في المستشفى.
وتصف أمل مديرتهن المصرية سامية إسماعيل بأنها «كل شيء في المعهد»، إذ كانت تدير الدراسة وتشرف على الطالبات وتشارك في التعليم، إلى جانب معلمات لمواد الدين والرياضيات واللغة الإنجليزية والتمريض.

كما تتذكر طبيبة صيدلة اسمها ماجدة، وطبيبة باطنية تُدعى سامية، شاركتا في تعليم الطالبات أساسيات العمل الصحي.
كانت الدراسة تعتمد على «الملازم» وبعض الكتب المحدودة، فيما يتزايد حجم المواد عاماً بعد آخر.
ورغم أن البرنامج الدراسي كان يفترض أن يمتد ثلاث سنوات، فإن الطالبات أنهينه خلال سنتين ونصف فقط بسبب كثافة التدريب.

دفعة بدأت كبيرة… ثم تقلصت
في البداية، تقدمت أعداد كبيرة من الفتيات للتسجيل، لكن كثيرات انسحبن تدريجياً تحت ضغط المجتمع أو خوف العائلة أو صعوبة الفكرة نفسها.
وتقول أمل «واحدة وراء الثانية بدأن ينسحبن».
أما المجموعة التي بقيت حتى النهاية، فأصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة التمريض في القطيف، ومن بينهن: معصومة الجامع، وجيهة الغانم، فتحية البلال، آمنة الزاهر، منى الغراية، عرفات سعيد، زلفى الدار، اعتماد الدار، مراتب المقبل، وديعة العوامي، أمل الخنيزي، كفاية آل سعيد، فائزة الشويخات، وأنيسة الشويخات.
وتصف أمل تلك المجموعة بأنها كانت «عائلة واحدة»، تذهب معاً وتعود معاً يومياً.

المجتمع يراقب التجربة
كانت الحصص تبدأ الثامنة صباحاً وتنتهي ظهراً، تتخللها فترات استراحة قصيرة، فيما يقف الباص كل يوم أمام البيوت لاصطحاب الطالبات.
وتقول أمل إن المجتمع كان يراقب التجربة كلها بحذر، لأن صورة «الممرضة السعودية» لم تكن مألوفة بعد.
وحين لا يتوفر الباص، كانت سيارة الإسعاف تنقل الطالبات إلى المعهد.
وتضحك أمل وهي تتذكر تلك اللحظات: «بالنسبة لنا كان الوضع عادياً… لكن الناس كانوا يشوفونه شيئاً غريباً».
حتى الزي الأبيض نفسه كان يثير الانتباه، فيما كانت الطالبات يعانين للحصول على بقية المستلزمات.
تقول «الحذاء والغطاء ما كنا نحصلهم بسهولة، وإذا وحدة راحت الدمام تشتري للجميع».
وتضيف أن المستشفى بعد التخرج كان يصرف لهن ملابس بمقاسات الممرضات الفلبينيات والمصريات، فكن يرتدينها كما هي رغم كبرها.

250 ريالاً وفرحة كبيرة
وكانت الطالبات يتسلمن مكافأة شهرية مقدارها 250 ريالاً.
ورغم بساطة المبلغ، فإن أمل تتذكره بفرح واضح «كنا نفرح فيها كثير، ونوزع منها على اللي نحبهم».
لكنها لم تحصل على المكافأة في سنتها الأولى بسبب صغر سنها، قبل أن تُصرف لها لاحقاً مع تعويض مالي عند التوظيف.

فرصة أرامكو لم تكتمل
في آخر أيام الدراسة، تلقت الطالبات دعوة من مستشفى أرامكو في الظهران لحضور حفل غداء، ضمن محاولة لاستقطاب الخريجات السعوديات للعمل هناك.
وتقول أمل إنها وافقت مع زميلتها الراحلة منى الغراية، رحمها الله، على الفكرة، لكن العائلتين رفضتا عملهما بعيداً عن القطيف، فعادتا إلى الشويكة.
ولم تعش الدفعة الأولى فرحة التخرج كما خططت لها؛ إذ أُلغي حفل التخرج بسبب وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله، لتنتقل الطالبات مباشرة من مقاعد الدراسة إلى العمل داخل المستشفيات.

بداية العمل في الشويكة
عام 1402هـ بدأت أمل وزميلاتها العمل رسمياً براتب 1500 ريال، بعد موافقة وزارة الصحة على تعيينهن في مستشفى القطيف العام وبعض مستشفيات الدمام.
لكن التحدي الحقيقي بدأ داخل المستشفى نفسه.
تقول أمل إن بعض الممرضات الأجنبيات لم يتقبلن وجود السعوديات في البداية، خوفاً من أن يأخذن أماكنهن مستقبلاً.
وتضيف «المصريات كانوا أحن علينا أكثر من الفلبينيات».
وتتذكر كيف كانت بعض الممرضات يقفلن خزائن الأدوية حتى لا تتعامل معها السعوديات، وكيف لم يكن يُسمح لهن بمرافقة الأطباء الاستشاريين أو الأخصائيين.
«كنا نمشي فقط مع الطبيب المقيم»، لكن ذلك لم يستمر طويلاً.

إثبات الوجود
خلال فترة قصيرة، بدأت الممرضات السعوديات يثبتن أنفسهن داخل المستشفى، سواء في العيادات أو الأقسام أو غرف العمليات.
وتقول أمل إن المرضى أنفسهم بدأوا يطلبون الممرضة السعودية بالاسم، وهو ما اعتبرته أكبر دليل على نجاح التجربة.
«لما المريض يطلب ممرضة معينة، هذا يعني إنها وصلت لتقدير أدائها عنده».
كما بدأت السعوديات يتقدمن في المناصب، حتى أصبحت وجيهة الغانم أول رئيسة للتمريض في مستشفى القطيف العام، بعد اعتذار بديعة العوامي عن الاستمرار بسبب ظروفها الصحية.

مواقف لا تُنسى
وخلال سنوات العمل، مرت أمل بمواقف بقي بعضها عالقاً في ذاكرتها حتى اليوم.
تتذكر أول ولادة حضرتها مع زميلتها عرفات سعيد، وكيف شعرتا بالخوف إلى درجة أنهما كانتا تصرخان وكأنهما من تلدان.
كما تتذكر أول عملية جراحية دخلتها مع زميلتها منى الغراية، بعد أن اختارهما أحد الأطباء لحضور العملية.
لكن أمل لم تحتمل المشهد، وأُغمي عليها داخل غرفة العمليات، قبل أن تُخرج ويُطلب منها العودة إلى المنزل.
أما المشهد الأصعب، فكان لطفل تعرض لحادث مروري وانتهى الأمر ببتر ساقه، تقول بصوت خافت «إلى اليوم أتذكر بكاءه».

مستشفى وسط النخيل
وتصف أمل مستشفى الشويكة القديم بأنه كان أشبه بعائلة كبيرة.
النخيل يحيط بالمكان، والطباخون والحراس من أبناء القطيف، فيما يأتي أهالي الخويلدية والجارودية باكراً للحصول على مواعيد الأسنان.
وتقول إن المستشفى لم يكن يعتمد على الملفات الطبية بالشكل المعروف حالياً، بل على دفتر كبير يدوّن فيه الطبيب أسماء المرضى والتشخيصات والأدوية.
كما كانت الوصفات تُصرف عبر الصيدليات المناوبة، مثل صيدلية المهنا، فيما تبقى صيدلية الإسعاف مفتوحة بعد إغلاق المستشفى مساءً.
نهاية مرحلة
ومع مرور السنوات، بدأت أقسام مستشفى الشويكة تتقلص تدريجياً، حتى وقع الهبوط الأرضي الذي أثار المخاوف على المبنى والعاملين فيه.
بعدها، جرى توزيع الطواقم الطبية على مستشفيات ومراكز أخرى؛ بعضهن ذهبن إلى الدمام المركزي، وأخريات إلى صفوى، فيما انتقلت أمل وزميلاتها إلى مستشفى عنك.
وتقول إن مستشفى عنك كان صغيراً لا يتجاوز ثمانية أسرة، لكنه شُغّل بالكامل تقريباً بطواقم سعودية.
«فتحنا الطريق»
واليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، لا تنظر أمل العوامي إلى تجربتها بوصفها مجرد وظيفة، بل باعتبارها بداية مرحلة كاملة في تاريخ العمل الصحي النسائي بمحافظة القطيف.
وتقول «الآن الناس يشوفون الممرضة السعودية شيئاً طبيعياً… لكن وقتها، كل خطوة كانت تحتاج شجاعة».
ثم تضيف بهدوء يشبه خلاصة الرحلة كلها «نحن فتحنا الطريق».
شاهد الفيديو



