علي الفرج… حين صافح الشعرُ قداسةَ العمامة

نزار المصطفى
في الحياة لحظاتٌ لا تتكرر…
لحظاتٌ تشعر فيها أن القدر لا يرتّب لقاءً عابرًا، بل يصوغ حدثًا سيبقى طويلًا في الذاكرة، كأنه جزءٌ من سيرة الروح نفسها.
ومن تلك اللحظات الخالدة، ذلك اللقاء الأول الذي جمعني بسماحة الشيخ علي الفرج في أواخر الثمانينات الميلادية، ونحن في طريق الحج، عند ميقات أبيار علي، حيث الإحرام والخشوع، وحيث يتجرّد الإنسان من الدنيا إلا من قلبه.
كان المكان مغمورًا بالسكينة، وكانت الأرواح معلّقةً بين الدعاء والدموع، وإذا بشابٍ وسيم، في أوائل الثلاثينات من عمره، يتقدّم نحوي بهدوء الواثق، لا بجرأة المتطفل، وقال بأدب:
“أرغب أن أسمعك مقطعًا من قصيدة في الإمام الحسين عليه السلام.”
في البدء استغربت.
قلت له “نحن في لحظات دعاء وخشوع، وأخشى أن يكون هناك تعارض بين المقامين.”
فابتسم ابتسامة العارف بما يقول، وقال عبارةً ما زالت ترنّ في سمعي حتى هذه اللحظة:
“إنه في الإمام الحسين… وما أدراك ما الإمام الحسين.”
حينها سكتُّ.
ليس لأنني اقتنعت تمامًا، بل لأن شيئًا غامضًا في نبرة صوته جعلني أتوقف.
ثم بدأ يُلقي.
وهنا، بدأ المشهد الحقيقي.
لم يكن يُلقي شعرًا، كان يفتح بوابات لغةٍ أخرى.
قال:
ويفتحُ كلُّ هذا الكونِ في يدهِ فيرتشفُ
وتُفتحُ في خلاياهُ الصغيرةِ للسما غُرفُ
وتنهلُّ النجومُ على أصابعهِ وتعتكفُ
حسينُ… كربلاؤك وسطها الأبراجُ تغترفُ
وفوقَ تكسرِ الرملِ البليدِ بحيرةٌ تقفُ
ما إن انتهى حتى شعرت بقشعريرةٍ اجتاحتني من قرن رأسي إلى أخمص قدمي.
كانت دهشةً كاملةً لا تقبل التأويل.
ذلك النوع من الشعر الذي لا يمرّ عبر الأذن، بل يقتحم الأعصاب اقتحامًا.
وهنا خرجت مني تلقائيًا تلك العبارة التي لا تزال شاهدةً على تلك اللحظة:
“واوووووووو…”
ثم قلت له، وأنا مأخوذٌ بما سمعت:
إذا الشعرُ لم يهززكَ عند سماعهِ
فليسَ خليقًا أن يُقالَ له شعرُ
في تلك اللحظة أدركت أنني أمام شاعرٍ حقيقي، لا أمام خطيبٍ يكتب الشعر، ولا رجل دينٍ يجرّب اللغة، بل أمام موهبة نادرة، قادرة على أن تحوّل المفردة إلى رؤيا.
قلت له مباشرةً “عندنا امتحانٌ نهائي… أستاذنا الأكبر محمد العلي، وسآخذك إليه بعد الحج.”
فانفرجت أسارير الشيخ علي الفرج، وقال إن ذلك حلمٌ يتمناه.
وحين انتهينا من مناسك الحج، وعدنا إلى القطيف، أخذته بالفعل إلى مجلس أستاذنا الكبير محمد العلي.
هناك بدأت الحكاية الثانية.
جلس الشيخ علي الفرج أمام واحدٍ من أكبر الأسماء الأدبية والفكرية في الخليج والعالم العربي، وأخذ يقرأ مقاطع من قصائده.
كان محمد العلي يصغي بعمق الناقد الكبير، لا بعاطفة المجاملة.
وحين انتهى الشيخ من الإلقاء، بدت الدهشة واضحةً على وجه الأستاذ.
ثم قال عبارته الشهيرة التي بقيت تتردد طويلًا في الوسط الأدبي:
“انزع عمامتك… أنت شاعر حقيقي، والعمامة تقيّدك.”
لم تكن العبارة انتقاصًا من العمامة، بل كانت اعترافًا بأن الشعر في داخله كان يتفجر بقوةٍ استثنائية، أكبر من التصنيفات التقليدية، وأوسع من القوالب الجاهزة.
ومنذ تلك اللحظة توالت اللقاءات الأدبية معه، ليس فقط مع محمد العلي، بل مع الشاعر الكبير الراحل عبدالله الجشي، الذي أُعجب به إعجابًا شديدًا، وقال — كما أذكر —:
“إننا اليوم أمام مولد شاعر.”
ويا لها من شهادة!
أن يقول شاعرٌ بحجم عبدالله الجشي هذه العبارة، فذلك يعني أن الموهبة لم تكن عابرة، بل كانت حدثًا أدبيًا حقيقيًا.
ثم اتسعت الدائرة.
شعراء، نقاد، مثقفون..
كل من استمع إلى علي الفرج خرج بانطباعٍ واحد “هذا الرجل شاعرٌ حقيقي.”
بل إن صداه تجاوز حدود المملكة، حتى استمع إليه الشاعر العراقي الكبير مصطفى جمال الدين، فقال فيه كلمةً تختصر المسافة كلها “إنه فلتة.”
وما أعظمها من شهادة حين تأتي من شاعرٍ وعالمٍ بحجم مصطفى جمال الدين.
إن كلمة “فلتة” في القاموس النقدي ليست مجاملة، بل توصيفٌ نادر يُطلق على الموهبة التي تأتي خارج السياق المعتاد، كأنها ولادة استثنائية لا تتكرر كثيرًا.
لقد كان الشيخ علي الفرج واحدًا من أولئك الذين جمعوا بين الحسينية والشعر، بين العمق الديني والحداثة الفنية، بين حرارة المنبر ورؤيوية القصيدة.
وفي ديوانه الشهير نزيف المرايا تتجلّى هذه الروح بوضوح؛ إذ لا يكتب القصيدة بوصفها صناعةً لغوية، بل باعتبارها انفعالًا وجوديًا كاملًا، يختلط فيه الوجدان بالفكر، والرمز بالصورة، والحسين بالإنسان.
كان شعره مختلفًا لأنه لم يكن يكتب من خارج التجربة، بل من داخل الاحتراق.
ولهذا حين تسمعه تشعر أن الكلمات لا تُقال… بل تُولد.
لقد تعرّفت على شعراء كثيرين، واستمعت إلى تجارب متعددة، لكن بعض الأصوات تبقى محفورةً في الذاكرة لأنها جاءت في لحظة صفاءٍ كامل، ولأنها استطاعت أن تربط بين الدهشة والصدق.
وهكذا كان الشيخ علي الفرج.
بدأ لقاؤنا في أبيار علي، تحت ظلال الإحرام، وانتهى إلى يقينٍ أدبيٍّ لا يزال ثابتًا في داخلي حتى اليوم:
أن الشعر الحقيقي لا يستأذن أحدًا حين يأتي، بل يدخل القلب دفعةً واحدة، كما يدخل الضوء من نافذةٍ فُتحت فجأةً على السماء.



