أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هجلس: البيوت تتكلم.. والطين يبوح بأسراره لأهله

صُبرةالثلاثاء 2 يونيو 2026، 10:31 م
هجلس: البيوت تتكلم.. والطين يبوح بأسراره لأهله

القطيف: صُبرة

أكد الباحث والمهتم بالتراث العمراني إسماعيل هجلس أن البيوت القديمة ليست مجرد جدران وسقوف، بل نصوص ثقافية تحفظ ذاكرة الإنسان والمكان، وأن للطين لغة حقيقية يفهمها البناؤون التقليديون والخزافون والنحاتون، ويقرأون إشاراتها كما تُقرأ الكلمات والرموز.

جاء ذلك في محاضرة بعنوان «ماذا يقول البيت وتروي النمنمة؟» نظمها نادي تمائم الأدبية بالتعاون مع بيت الثقافة ضمن برنامج «الشريك الأدبي»، وأدارها الشاعر محمد أبو عبدالله، وسط حضور من المهتمين بالأدب والتاريخ والعمارة والتراث.

واستعرض هجلس، مستعيناً بالصور والشواهد البصرية، أسئلة متعددة حول العلاقة بين الإنسان وبيته، وما تختزنه العمارة التقليدية من معانٍ ثقافية واجتماعية تتجاوز الوظيفة المادية للبناء، مؤكداً أن تفاصيل البيوت والنمنمات والزخارف قادرة على رواية حكايات أصحابها وتحولات مجتمعاتهم عبر الزمن.

من الأطلال إلى مفتاح البيت

وفي تقديمه للمحاضرة، رسم الشاعر محمد أبو عبدالله إطاراً أدبياً للموضوع، متوقفاً عند مفهوم «البيت» بوصفه أحد أقدم الرموز الإنسانية حضوراً في الذاكرة والوجدان.

وأشار إلى البيت الذي يرتحل مع الإنسان، مثل الخيمة، والبيت الذي يرتحل عنه الإنسان تاركاً خلفه الذكريات والأطلال، مستحضراً حضور المكان في الشعر العربي منذ الوقوف على الديار ومخاطبة الجدران، في صورة تختزن الحنين والفقد واستعادة الماضي.

وانتقل أبو عبدالله إلى نماذج أخرى من حضور البيت في الأدب العربي، متوقفاً عند دلالة إيوان كسرى في قصيدة البحتري الشهيرة وما تحمله من تأملات في تقلّبات الزمن وصروف الدهر، قبل أن يصل إلى نصوص الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ولا سيما في «لماذا تركت الحصان وحيداً»، حيث يتحول البيت إلى مرادف للهوية والطمأنينة والذاكرة، ويصبح مفتاحه جزءاً من الإنسان، يتحسسه كما يتحسس أعضاء جسده.

هل للطين لغة؟

ومن أبرز المحاور التي تناولتها المحاضرة سؤال طرحه هجلس: هل للطين لغة يفهمها أهلها؟

وأجاب بأن للطين لغة حسية حقيقية لا تعتمد على الحروف والكلمات، بل على الخبرة والتجربة والملامسة، وهي لغة يتقنها العاملون به منذ قرون.

وأوضح أن البنّائين التقليديين ينظرون إلى الجدران الطينية بوصفها كائنات تتنفس وتتحدث، فهم يدركون حاجتها إلى الماء من خلال ملاحظة التشققات أو درجات الجفاف، ويعرفون بالخبرة الدقيقة متى تبلغ خلطة التراب والماء والتبن مرحلة التماسك المثالية التي تسمح بتحويلها إلى قوالب قادرة على الصمود أمام الزمن.

وأضاف أن هذه المعرفة لا تُكتسب من الكتب بقدر ما تُكتسب بالممارسة الطويلة والتفاعل المباشر مع المادة.

الخزافون وترجمة الصمت

كما تناول هجلس علاقة الخزافين بالطين، واصفاً إياهم بأنهم من أكثر الناس قدرة على فهم لغته وترجمة صمته.

وأوضح أن الخزاف يشعر منذ اللحظة الأولى التي يضع فيها الطين على دولاب الخزف بمدى استجابته أو مقاومته، وأن حركة اليد تصبح نوعاً من الحوار المتبادل بين الصانع والمادة.

وأشار إلى أن هذا الحوار يستمر حتى بعد دخول القطعة إلى الفرن، إذ يواصل الطين «حديثه» من خلال لونه بعد الحرق، أو من خلال الرنين الذي يصدره عند النقر عليه، وهو ما يمكّن الخزاف من معرفة سلامة القطعة أو وجود تشققات خفية فيها.

الطين بوصفه ذاكرة إنسانية

وفي البعد الفلسفي، ربط هجلس بين الطين وأصل الإنسان، مشيراً إلى أن التعامل معه يمنح كثيراً من الحرفيين شعوراً بالسكينة والطمأنينة يصعب تفسيره مادياً.

وقال إن الإنسان، بوصفه مخلوقاً من طين، يحتفظ بعلاقة عميقة مع هذه المادة الأولى، ولذلك يشعر كثير من العاملين بها بأنهم يعودون إلى جذورهم كلما لامسوها أو أعادوا تشكيلها.

واختتمت المحاضرة بنقاشات ومداخلات تناولت العلاقة بين العمارة والهوية الثقافية، ودور البيوت التقليدية في حفظ الذاكرة الاجتماعية، وكيف تتحول النمنمات والزخارف والتفاصيل الصغيرة إلى شواهد ثقافية تسرد تاريخ المجتمعات وتحكي

قصصها للأجيال اللاحقة.