يوم “ميشوم” في صفوى وثقته مرثية عمرها 60 سنة

صفوى: أمل سعيد
كان حادث مرور أليماً بطبيعة هذا النوع من الحوادث، إلا أنه كان قاسياً على صفوى أكثر مما يمكن تصوره اليوم.
ربما لأن البلدة لم تعرف وفاة أحد في حادث مروري قبل عام 1965، وربما لأن السيارات نفسها كانت قليلة، وكانت أخبار الحوادث تصل إلى الناس بوصفها أحداثاً بعيدة تقع في أماكن أخرى. لكن المؤكد ـ ولو مجازاً ـ أن الحياة توقفت يومها حزناً وحداداً على واحد من أبنائها.
ذلك الابن كان حمد حجي علي الشلاتي، أحد أبناء صفوى المعروفين بين الأهالي، وصاحب واحدة من أوائل السيارات التي دخلت البلدة. رحل الشاب في حادث تصادم على طريق رحيمة، فتحولت القرية الصغيرة إلى بيت عزاء كبير، واستوقف الشاعر حسين بن حسن آل دهيم «أبو معلى» تفاصيل ذلك اليوم في قصيدة شعبية طويلة، سجلت ما جرى منذ لحظة وصول الخبر حتى تشييع الفقيد.

الشاعر حسين دهيم
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو القصيدة وثيقة اجتماعية نادرة بقدر ما هي مرثية، إذ لا تروي سيرة رجل رحل فحسب، بل تكشف كيف كانت صفوى تعيش أفراحها وأحزانها عندما كان عدد سكانها محدوداً، وكانت العلاقات الاجتماعية متشابكة إلى درجة تجعل مصاب أسرة واحدة مصاباً للجميع.
كان حمد الشلاتي يسكن مع أسرته جنوب مسجد الحجة في رفاع صفوى، وعُرف بخدمة الأهالي بسيارته الكبيرة من نوع «سوبربان». ففي زمن كانت وسائل النقل محدودة، تولى نقل النساء إلى مستشفى أرامكو في رأس تنورة قبل ظهور حافلات الشركة المخصصة لذلك، فأصبح اسماً مألوفاً في حياة كثير من الأسر.
اسمَعِت صيحة وارفعِت راسي من النوم
الا النساء بالبيت يقولوا حمد مصدوم
وقلت اليهم هالخبر ممن سمعتون
هذا علم ميشوم وياكم لا تحجون
وجاء الخبر في صباح ثقيل. استيقظ أبو معلى على أحاديث النساء داخل المنزل عن حادث أصاب حمد. لم يكن الخبر سهلاً على التصديق، فالحوادث المميتة لم تكن من الوقائع المعتادة في البلدة. وبينما حاول البعض التمسك بالأمل، أخذت الأخبار تتوالى حتى بدأت الحقيقة تفرض نفسها على الجميع.

محسن ابن الشاعر حسين دهيم
اتقلي يبوية بالعجل ودني الدختر
جسمي يرجف والقلب مني تفطّر
تو ما سمعت بويه بهذا العلم لقشر
وان كان صح هذا الخبر ذا العلم ميشوم
وارتفعت الضجة وصح الخبرعندي
اوقلت لمحسن قوم وديها لوجدي
ومن بين المشاهد التي احتفظت بها القصيدة، صورة ابنة الشاعر بعد سماع النبأ. فقد بدت شاحبة اللون شديدة الاضطراب، وطلبت الذهاب إلى الطبيب. ومع تزايد تأثرها، طلب أبو معلى من ابنه عبدالمحسن أن يصحبها إلى الدكتور أحمد توفيق وجدي.
وتحمل هذه الإشارة أهمية تاريخية خاصة؛ فالدكتور وجدي كان أول طبيب عمل في صفوى. وجاء تعيينه بعد افتتاح أول مستوصف في البلدة سنة 1382هـ، استجابة لأحد المطالب التي رفعها وجهاء صفوى إلى الملك سعود خلال زيارته للمنطقة. وبالنسبة لأهالي تلك المرحلة، كان اسم الدكتور وجدي حاضراً في كل حالة مرض أو طارئ، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الاجتماعية للبلدة.
وبس ما طلعت وعاينت للناس لمات
الا بحرمة من حريمه تنادي حمد مات
وحنين اسَمعِت اِلها وقّف احدب الونات
واقول وسفة على الولد الميت اليوم
ومع تأكد الخبر، خرج أبو معلى إلى الشوارع. كانت صفوى كلها تقريباً تعيش حالة ترقب ممزوجة بالحزن. النساء يرددن خبر الوفاة، والرجال يتجمعون في الطرقات والساحات، والوجوه يعلوها الذهول.
ورحت اتمشى والدمع بالخد مدروف
وصلت الى خارج وشفت العالم اعكوف
ناسٍ جلوسٍ بالشمِس وناسٍ اوقوف
وكلٍ راسه منكسة من الحزن مهموم
وفي حي «خارج» الذي كان يومها حياً حديثاً خارج سور البلدة من جهتها الغربية، شاهد الشاعر مجموعات من الناس تنتظر وصول الجثمان. بعضهم جلس تحت الشمس، وآخرون بقوا واقفين يراقبون الطريق. كانت القرية كلها تبدو وكأنها دخلت مجلس عزاء مفتوحاً قبل وصول الفقيد.
والناس كلها تنتظر يمتى يجيبوه
وليتك تعاين حالة الخوته مع اْبوه
بالشمس جالس والخلق يمه يسلوه
منهد ركنه من الحزن ماهوه ابمليوم
ويرسم الشاعر صورة مؤثرة لوالد حمد، جالساً بين المعزين تحت الشمس، فيما يحيط به الأقارب والأصدقاء محاولين مواساته. وفي تلك اللحظات بدا الأب، كما تصوره القصيدة، رجلاً فقد ركناً أساسياً من حياته، بينما كان الإخوة والأقارب يعيشون المصاب بكل ثقله.
دحبني اقبلت سيارة الجمسه تشله
انهالت العالم عليها اشحالة اهله
راحوا للمغيسل وكلٍ يبغى يغسله
وامه على جسمه هوت وعيت عنه اتقوم
ومع وصول السيارة التي حملت الجثمان، تحركت الجموع نحوها. لم يكن الحضور حضوراً شكلياً، بل مشاركة فعلية في الفاجعة. اتجه كثيرون إلى المغتسل، وكل منهم يريد أن يؤدي دوراً في وداع الشاب الذي عرفوه وأحبوه.
وعلى دكة المغتسل بلغت المأساة ذروتها. فقد سجلت القصيدة مشاهد الندب والبكاء التي رافقت توديع الفقيد. الأم التي ألقت بنفسها على جسد ابنها، والنساء اللواتي تعالت أصواتهن بالرثاء، والعبارات التي خرجت من قلوب مكلومة تصف الفقد والوجع والصدمة.
وكان تأثير تلك المشاهد بالغاً حتى على الشاعر نفسه، الذي انتقل من وصف الحاضرين إلى التعبير عن أثر المصيبة في داخله، ليصبح شاهداً ومشاركاً في الحزن في آن واحد.
ورحل حمد الشلاتي في مقتبل العمر، تاركاً زوجته رحمة بنت حجي علي بن حسين الداؤود «القصير»، وثلاث بنات صغيرات. لذلك لم يرَ الأهالي في الحادث فقدان شاب فقط، بل فقدان معيل وسند لأسرة كاملة، وهو ما ضاعف من حجم التعاطف الشعبي مع أسرته.
وتكشف القصيدة جانباً مهماً من طبيعة المجتمع الصفواني آنذاك. فالمصيبة لم تكن شأناً عائلياً خاصاً، بل حدثاً عاماً شارك فيه الجميع. خفتت الحركة المعتادة، وارتدى أهل الفقيد السواد، وشعر كثير من الأهالي بأن البلدة فقدت واحداً من أبنائها جميعاً.
والبلد كلها محزنة ماغير *****
أبداً فلا شفته ابحادث غلَق دكان
واهل المصيبة ياخلق هم ليه جيران
مافيه حمية ولا يستحي من كثرة اللوم
ومن التفاصيل اللافتة التي احتفظ بها النص الشعبي، استغراب الشاعر استمرار صاحب بقالة صغيرة مجاورة لبيت أهل المصاب في فتح متجره وممارسة عمله. ولم يكن ذلك اعتراضاً على الرجل بقدر ما كان دلالة على حجم التضامن الاجتماعي السائد آنذاك، حين كان الناس يرون أن الحزن الكبير يفرض مشاركة وجدانية تتجاوز حدود القرابة.
وبعد أكثر من ستين عاماً، بقيت القصيدة شاهدة على ذلك اليوم. فالحادثة التي بدأت على طريق رحيمة انتهت إلى واحدة من أكثر الذكريات حضوراً في الذاكرة الشعبية لصفوى، لا بسبب قسوة الموت وحدها، بل لأنها كشفت مقدار التماسك الذي كان يجمع أبناء البلدة، حين كان وجع فرد واحد يكفي لأن تشعر قرية كاملة بأنها فقدت أحد أفراد أسرتها.

خالد آل صلاح
بقيت القصيدة منسية لعقود طويلة في ورقة واحدة، ثم عُثر عليها بين مقتنيات المصور خالد آل صلاح، الذي عرف بحبه للتراث، قبل أن يحصل حفيد “أبو معلى” الشاعر حسين آل دهيم على نسخة منها ويعيد تحبيرها، لتصل إلينا اليوم بوصفها وثيقة اجتماعية ولغوية نادرة.

القصيدة كاملة
اسمَعِت صيحة وارفعِت راسي من النوم
الا النساء بالبيت يقولوا حمد مصدوم
وقلت اليهم هالخبر ممن سمعتون
هذا علم ميشوم وياكم لا تحجون
ساعة ولين جتني البنِت مخطوفة اللون
ترجف من الدهشة وتبچي ابدمع مسجوم
اتقلي يبوية بالعجل ودني الدختر
جسمي يرجف والقلب مني تفطّر
تو ما سمعت بويه بهذا العلم لقشر
وان كان صح هذا الخبر ذا العلم ميشوم
وارتفعت الضجة وصح الخبرعندي
اوقلت لمحسن قوم وديها لوجدي
هذا الحادث ياولد جارح لجبدي
قوموا العجل روحوا وانا بلبس لي اهدوم
وبس ما طلعت وعاينت للناس لمات
الا بحرمة من حريمه تنادي حمد مات
وحنين اسَمعِت اِلها وقّف احدب الونات
واقول وسفة على الولد الميت اليوم
ورحت اتمشى والدمع بالخد مدروف
وصلت الى خارج وشفت العالم اعكوف
ناسٍ جلوسٍ بالشمِس وناسٍ اوقوف
وكلٍ راسه منكسة من الحزن مهموم
والناس كلها تنتظر يمتى يجيبوه
وليتك تعاين حالة الخوته مع اْبوه
بالشمس جالس والخلق يمه يسلوه
منهد ركنه من الحزن ماهوه ابمليوم
والناس الى الرستة كلمن شابح العين
واللي ما يبچي تعاينه يحدب ِللوْنين
والدروب كلها مسچرة رجال اونساوين
بصيحة تشابه للرعد ومترادفة اغيوم
دحبني اقبلت سيارة الجمسه تشله
انهالت العالم عليها اشحالة اهله
راحوا للمغيسل وكلٍ يبغى يغسله
وامه على جسمه هوت وعيت عنه اتقوم
وهاللي نحلني أمر تيه فكري اوبالي
حرمة اسمعتها تصيح وضيعت احوالي
وبنتٍ تنادي ياخلق نوحوا على خالي
ميت اضلوعه امكسرة والظهر محطوم
وانا اسمعتها وامردت جبدي ولفاد
أبد بذاك اليوم ما واحد طعم زاد
ورجعوا هله للبيت وكلهم لبس اسواد
وداره بقت من بعد عينه مسكن البوم
الله يساعد قلب امه بفقد هالشاب
مع والده ولاخوان وعمامه ولحباب
وجملة خواته وعمته وكل من له اقراب
والله يبرد قلب من بالنار مضروم
والبلد كلها محزنة ماغير *****
أبداً فلا شفته ابحادث غلَق دكان
واهل المصيبة ياخلق هم ليه جيران
مافيه حمية ولا يستحي من كثرة اللوم
ولا قال هذا شاب مصدومٍ اوعزَّل
ويسمع لأهله باللطم والنوح والزل
ولو ينفدى بالمال حنا له بننزل
لكن قضا الله والعمر بالأمر محتوم
انا بخبركم بسبب هذي العداوة
ماياخذون أغراض منه ولا حلاوة
وان كان هدي سيرته تسحب شقاوة
وكل واحدٍ مثله من الخيرات معدوم



