أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

فيديو | ناجيان من حادث صفوى يتذكران التفاصيل قبل 61 سنة

صُبرةالأربعاء 17 يونيو 2026، 9:30 ص
فيديو | ناجيان من حادث صفوى يتذكران التفاصيل قبل 61 سنة

شاهد الفيديو

صفوى: أمل سعيد

“كانت عيناي تركضان بين الكلمات بحثاً عن أبي”..

ناجيان من حادث حمد الشلاتي يرويان تفاصيل صباح الضباب بعد 61 عاماً.

للذاكرة طريقتها الخاصة في النجاة، فبعضها يختبئ في قصيدة شعبية تحفظ صرخات قرية بأكملها، وبعضها يظل حبيساً في قلب طفل نجا من الموت قبل أن يكبر ويصبح شيخاً يستعيد تفاصيل ذلك الصباح الضبابي كما لو أنه انتهى قبل دقائق، أما بعضها الآخر، فيعيش داخل ابنة لم ترَ أباها قط، وظلت تركض بعينيها بين الكلمات بحثاً عن وجه لم تعرفه.

عبدالله العواد

شهادات جديدة

بعد نشر “صُبرة” تقريرها عن وفاة حمد حجي علي الشلاتي في الحادث الذي هزّ صفوى عام 1965م، خرجت إلى العلن شهادات جديدة لأشخاص كانوا داخل السيارة لحظة الاصطدام، لتكتمل بها فصول قصة ظن كثيرون أن كل ما فيها قد قيل منذ زمن بعيد.

كان عبد الله عبد الوهاب آل عواد في الثامنة من عمره حين وقع الحادث. أما اليوم، وبعد 61 عاماً، فإنه ما يزال يتذكر تفاصيل ذلك الصباح بدقة مدهشة.

يقول “حين قرأت الموضوع في صُبرة، انسالت الذكريات تباعاً، وكأنها حدثت للتو، تواصلت مع أخي وأختي، وكأن القصة لمست جزءاً عميقاً غائراً في ذاكرتنا”.

الشقيقان عبدالله وعلي العواد

موعد طبي

في ذلك الزمن، لم تكن حافلات أرامكو المخصصة لنقل عائلات الموظفين قد بدأت العمل بعد، فكانوا يعتمدون على استئجار سيارات خاصة للوصول إلى مستشفى أرامكو في رأس تنورة والعودة منه.

كان والد عبد الله، المرحوم عبد الوهاب آل عواد، أحد أوائل موظفي أرامكو، إذ التحق بالشركة عام 1945م دون شهادات أكاديمية بل بلا معرفة بالقراءة والكتابة، لكنه اجتهد في تعلم مناهج الشركة وتدرج في وظائفها حتى أصبح فني مختبر بترول في رأس تنورة، واستمر في عمله نحو 35 عاماً حتى وفاته عام 1980م.

وفي يوم الحادث، كانت الأسرة عائدة من موعد طبي في عيادة العناية بالأم والطفل بمستشفى أرامكو، كانت الأم ترافق ابنتها الرضيعة فاطمة، التي لم تكمل عامها الأول بعد، ومريم ذات الأعوام الثلاثة وعبد الله 8 سنوات، بينما جلس الأب في المقعد الأمامي مع ابنه علي البالغ ست سنوات.

ولم تكن العائلة وحدها في السيارة التي يقودها حمد الشلاتي، إذ كانت ترافقهم أيضاً زوجة عبد الله ناصر المعلم وابنتها سميرة، التي كانت رضيعة كذلك.

طريق راس تنورة القديم

ضباب كثيف

في طريق العودة إلى صفوى، كان الضباب كثيفاً جداً، يقول عبد الله “في لحظة خاطفة ظهرت أمامنا سيارة معاكسة، واصطدمت بسيارتنا وجهاً لوجه”.

مرت السنوات، لكن تلك الثواني بقيت عالقة في ذاكرته “أتذكر كيف اصطدمت السيارة بنا، ثم لحظات الهلع التي أعقبت ذلك”.

ومن بين كل ما احتفظت به ذاكرته، يبرز مشهد يكشف كيف ترى عيون الأطفال العالم حتى في أقسى اللحظات، فبعد الاصطدام، نزل عبد الله من السيارة واقترب من المركبة الأخرى “رأيت زهرة صغيرة من البلاستيك معلقة في المرآة الأمامية، فأخذتها ألعب بها”.

طفل خرج لتوه من حادث مروّع، يسرقه تفصيل صغير من حدث ضخم، ثم لم تلبث براءة اللحظة أن اصطدمت بالحقيقة، وبحسب ما استقر في الذاكرة البعيدة منذ ذلك اليوم، يقول “عدت لسيارتنا ورأيت المرحوم حمد الشلاتي يخرج منها، ثم يتمدد على الأرض، ويضع يده تحت خده، قبل أن يفارق الحياة”.

عبدالله العواد.. طفلاً

ويضيف عبد الله أن حمداً لم يكن مجرد سائق استأجرته العائلة لتوصيلها، بل كان من جلساء والده، وشقيقاً لأحد أصدقائه المقربين، ولذلك تركت وفاته أثراً بالغاً في نفسه.

أما علي عبد الوهاب آل عواد، الذي كان في السادسة من عمره وقت الحادث، فيستعيد المشهد من زاوية مختلفة.

فقد كان يقف في المقعد الأمامي بين والده والسائق حمد الشلاتي، يقول “من شدة الارتطام سقطت في المقعد الخلفي”، ويتذكر حال والده حينها “أصاب عمود زاوية السيارة الأمامي والدي عند الكتف واحتجزه، ولم يستطع الخروج من السيارة”.

المرحوم عبدالوهاب العواد وولداه

تحرير الأب

بقي الأب عالقاً داخل المركبة حتى وصلت فرق الدفاع المدني، التي اضطرت إلى قطع أجزاء من السيارة لتحريره.

نُقل بعدها إلى المستشفى، حيث تبين أنه تعرض لكسر في عظمة الترقوة، يضيف علي “ظلت يده مرفوعة مدة طويلة كي يجبر الكسر”.

ومن بين التفاصيل التي حملتها ذاكرة الولد الأكبر عبد الله، برزت مفارقة موجعة أخرى، فشقيقته مريم، التي كانت تجلس إلى جواره في المقعد الخلفي ونجت من حادث عام 1965م، لم يُكتب لها عمر طويل، يقول “بعد 6 سنوات من الحادث، كنا نعبر الشارع العام بعد نزولنا من مدينة العمال إلى الديرة، فصدمتها سيارة وتوفيت في الحال”.

سيارة الشلاتي كانت من طراز مرسيدس

وكأن ذلك الصباح البعيد ترك ظلاً ممتداً على العائلة لسنوات طويلة.

لكن أكثر الشهادات تأثيراً لم تأتِ من داخل السيارة، بل جاءت من ابنة الرجل الذي رحل في ذلك الصباح الضبابي، فقد تواصلت فاطمة، أصغر بنات المرحوم حمد الشلاتي، لتصحح معلومة وردت في التقرير السابق، موضحة أن والدها لم يترك 3 بنات كما ذُكر، بل 6 وهن معصومة وكبرى وإيمان ونجاح وباسمة وفاطمة، غير أن تصحيح الرقم لم يكن أكثر ما علق في الذاكرة.

فاطمة نفسها لم تكن قد وُلدت حين وقع الحادث، كانت جنيناً في بطن أمها، تقول “حين قرأت التقرير في صحيفة صُبرة، كانت عيني تركض بين الكلمات وكأنها تبحث عن والدي الذي لم تره عيناي قط”، وتضيف “قرأت التفاصيل وكأني أحاول ترميم الصورة المرسومة في ذهني عن تلك الحادثة”.

ولعل أكثر ما يوجع في حكايتها أنها لم ترَ والدها حتى في صورة فوتوغرافية، كبرت وهي تجمع ملامحه من روايات الآخرين، وتحاول أن تصنع من كلماتهم وجهاً لرجل لم تتح لها فرصة النظر إليه ولو مرة واحدة.

وحين شاهد أبناؤها الفيديو المصاحب للتقرير، الذي تصدرت مشاهده صورة الشاعر حسين بن حسن آل دهيم “أبو معلى”، عادوا إليها مسرعين، وكأنهم عثروا على كنز ثمين.

صورة لوالدي

ظنوا أن الصورة التي أمامهم هي صورة جدهم الذي طالما سمعوا عنه، لكنها أخبرتهم، في لحظة امتزج فيها الامتنان بالخذلان، أن الرجل الظاهر في الصورة ليس والدها، وإنما الشاعر الذي خلد قصته بقصيدته، تقول فاطمة “رجوت أن يحتوي التقرير على صورة لوالدي، تمنيت أن أراه ولو في صورة قديمة، يبدو أننا نكبر ونصبح آباء، لكن يبقى ذلك الطفل عالقاً في داخلنا، ينبش الذكريات التي قد تعيد له شيئاً منه”.

تكشف هذه الشهادات جانباً آخر من الحادث الذي حفظت قصيدة أبي معلى ما أعقبه من حزن جماعي في صفوى.

فبينما وثّق الشاعر صرخات النساء ووجوه الرجال المنتظرة ومشهد الوداع الأخير، جاءت روايات الناجين لتعيد بناء ما جرى قبل وصول الخبر إلى القرية؛ الضباب الكثيف والأطفال المتشبثون بأسرهم والاصطدام المباغت ومحاولات النجاة.

علي العواد

ثم جاء صوت فاطمة ليكشف وجهاً آخر للفقد؛ ذلك الذي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بالأسئلة التي تكبر مع أصحابها: كيف كان يبدو؟ كيف كان صوته؟ وهل بقيت له صورة واحدة يمكن أن تمنح أبناءه وأحفاده ملامح رجل عرفوه غائباً أكثر مما عرفوه حاضراً؟

وبعد أكثر من 6 عقود، لم تعد قصة حمد الشلاتي مجرد حادث مروري وقع في صباح ضبابي من عام 1965م، بل حكاية إنسانية تناوب على روايتها شاعر، وناجون، وابنة لم ترَ والدها قط.

المرحوم عبدالوهاب عواد

حكاية تذكّر بأن بعض الغياب لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، بل يبقى حيّاً في ذاكرة من نجوا، وفي حنين من وُلدوا بعده، وفي ذلك الطفل الصغير المختبئ داخل كل واحد منا، الذي يواصل البحث، بين الكلمات والوجوه القديمة، عمّن أحبهم ذات يوم.

اقرأ الموضوع السابق

اضغط هنا

بلدات:صفوى