القرآن أولًا 9 | ظاهرة الغلو

الشيخ علي الفرج
في المقال السابق تناولنا مثالًا من الأمثلة التي يُستدلّ بها في هذا الباب، وهو قضية ردّ الشمس، وما أثير حولها من نقاشٍ وإشكال. وننتقل في هذا المقال إلى مثالٍ آخر لا يقلّ أهميةً وحضورًا في البحوث العقدية، وهو علم الأئمة (عليهم السلام) وما ورد فيه من النصوص والروايات. وعليه نقول:
توجد روايات عديدة تتضمن شبهة الغلو، أو الغلو الصريح، خاصة فيما يتعلق بمسألة علم الأئمة (عليهم السلام). هذه الروايات تتعارض مع الآيات القرآنية التي تحدد طبيعة علم النبي (صلى الله عليه وآله) وتفصله عن علمه الشخصي دون الرسالة وتؤكد على بشريته.
أمثلة على الروايات التي تحمل شبهة الغلو، وقد بوب الشيخ الكليني في “الكافي” (ج1، ص260) تحت عنوان “باب: إن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم”، خذ مثالًا:
– بإسناد عن سيف التمار، قال “كنا مع أبي عبد الله عليه السلام جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عيْن؟ فالتفتنا يمنة ويسرة، فلم نر أحداً فقلنا: ليس علينا عين فقال: ورب الكعبة ورب البنية – ثلاث مرات – لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون، وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة”.
– وأيضًا عدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله ابن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله عليه السلام يقول: “إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، قال: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول فيه تبيان كل شيء”.
وهذه الروايات العقائدية وأشباهها، فيها شبهة الغلو، بل صميم الغلو، لمعارضتها للمنهج القرآني:
تتعارض هذه الروايات مع العديد من الآيات القرآنية التي تُبيّن حدود علم النبي (صلى الله عليه وآله) وتُفرّق بين الرسالة المتصلة بالوحي، والأمور الشخصية التي لا تتصل بالوحي. فالله تعالى يقول: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ..) [الكهف: 110]. هذه الآية تُشير بوضوح إلى بشرية النبي (صلى الله عليه وآله) في جميع تفاصيله فهو يساويهم، وأما الاتصال الإلهي الوحياني المتعلق بالرسالة فلا يتساوى مع جميع البشر، حيث يُعدّ معصومًا بلا شك.
كذلك قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ..) [التوبة: 101] يُدلل على عدم علم النبي (صلى الله عليه وآله) ببعض الأمور الشخصية للأفراد، وحتى قد يحدث عدم العلم ببعض جزئيات الدعوة الرسالية.
ومن الآيات الصريحة في هذا السياق أيضًا:
– (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ) [هود: 31].
– (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) [الأنعام: 50].
– (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف: 9].
شبهة عالقة ومكررة
لطالما تداولت الأذهان تساؤلات مكررة حول طبيعة علم الأنبياء والأئمة (ع)، ومدى سعته وإحاطته بالغيب. وتبرز في هذا السياق شبهة تستند إلى قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]. قد يُحتج بهذه الآية لتأكيد أن النبي (ص) وأهل بيته (ع) يمتلكون علمًا شاملًا بجميع تفاصيل الغيب، مستندين إلى أن الله تعالى يُظهر غيبه لمن ارتضى من رسله دون تقييد.
لكن التعمق في البيان القرآني والذوق العربي يزيح هذه الشبهة ويكشف عن معرفة أدقّ، وبيانه:
إنّ لفظ “الرسول” في الآية الكريمة، ووصفه بخصوصية الرسالة، يقتضي أن الفهم اللغوي السليم محدد ومقيّد. فالغيب الذي يُظهره الله تعالى لرسله هو الغيب المتعلق بمهامهم الرسالية ووحيهم الإلهي، لا علمًا مطلقًا بكل تفاصيل الغيب الشخصي أو الكوني الذي لا علاقة له برسالتهم.
ويأتي هذا التأكيد من المعنى المتسق مع آيات قرآنية أخرى تُبيّن حدود علم الأنبياء في سياقاتهم الشخصية، كما في قوله تعالى على لسان نبيه: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: 50] في حالات لا تتصل بمهمته الرسالية المباشرة. فالغيب الذي يختص به الله تعالى هو غيب مطلق لا يُحيط به أحد سواه، وما يُظهره لرسله هو جزء مختار ومحدد منه، يخدم الغاية من بعثتهم وإيصالهم للرسالة.
إذًا، فالآية الكريمة لا تُفهم على أنها تمنح الرسل علمًا غيبيًا شاملًا ومطلقًا، بل تُشير إلى كشف إلهيّ مُحدد ومقصود لأمور غيبية ضرورية لإتمام رسالتهم وقيامهم بوظيفتهم الرسالية. وهذا يُعلي من شأن الرسالة ويُرسّخ عظمة علم الله المطلق، مع إبراز منزلة الرسل الذين يصطفيهم ليكونوا واسطة لبيان الحقائق الغيبية اللازمة لهداية البشرية.
مرجعية القرآن
إنّ مرجعية القرآن ليست مقصورة على أبواب الفقه وأحكام العمل، بل هي ــ في مجال العقيدة ــ المنهج الأصفى والنهج الأقوم، إذ كما كان الاحتكام إليه في الفروع ضمانةً لصواب التكليف، فهو في الأصول حصنٌ للعقيدة من شائبة الغلوّ وزيغ التأويل.



