الإزار المجعد لا يذعن للغة

حسين آل دهيم
لسببٍ أجهلُهُ
أغمرُ سبابتي في الماءِ وأطفىءُ بها ظمأَ الريحِ الصاديةِ،
حيثما وطأَتْ قدمي بندرًا،
أبعثُ وجهي المجعدَ رسولًا للبوصلةِ، كي ترعويَ وأنا أجتاز الخرصان الخاشعة لفشوتِها
أحكُّ ظهري بجذوعِ النخلِ لتألفَني العذوقُ
وأتخذُ من الحناءِ خارطةً لدمي
وأسألُ أنفيَ الثباتَ لمعرفةِ قدومِ الرياحِ
وأترنَّمُ رافعاً كفي: “احفظْ اْلسانِكْ يا فتى عن نميمة”.
المنبهُ الذي يأخذُ سكونَ الدارِ غيلةً كلَّ فجرٍ
يؤْذِن بأنَّ النوخذةَ يرفع شراعًا نوبةً
ويحط بنديرةً نوبةً أخرى.
بعد إرفاءٍ مُيَسرٍ، صارت المطافاتُ ثقوبَ بصرهِ المقوسِ
وسحنتَهُ بضاعةَ الأخوارِ الرائجةِ
تسافرُ معه النوارسُ قبل أن تنحني مناقيرُها، طَرْقًا على أبوابِ الصباحِ
ويهجرُ الغاقُ حدودَهُ التي ألِفَها بعد إغلاقهِ التزاوجَ الليلي
ليحطَّ على الدستورِ ويتزودَ من ماعونِهِ المشاعِ.
تعرفُهُ الألواحُ والدسرُ والصِّلُ ويسليه البدنُ والفنطاسُ بنهمةِ الراش.
المحاملُ التي تعزِقُ الماءَ بأبواصِها، تحييه بقعقعتِها
المساربُ في البحورِ رغم اتشاحِها بالسوادِ، لم تخنْ بشرتَهُ البيضاءَ المشوبةِ باللمعةِ مع قصاصيرِها
إزارُهُ المهيمنُ على خصرِهِ النحيلِ
يعبسُ في وجه الحوانيتِ المغلقةِ، لتصيخَ السمعَ لنسوةٍ قابعاتٍ في الأروقةِ مستهاماتٍ، يخصفْنَ حصرَ الفقرِ التي تشبه وجهَه في ليونةِ خصفِها وضراوةِ أطرافِها.
مشاهدٌ تتراءى له وهو منصتٌ للأهازيجِ خلف الروازنِ
يدفع بصرَهُ إلى سقف ديوانِه الذي رفعتْهُ سواعدٌ أثخنها النسعُ وتقليبُ الأكفِّ اليابسةِ، ويتذكر الرَكبةَ التي تعاهدتُماها حين قال بعد أنْ بأبأتَهُ وهو مضطجعٌ على البهجةِ: يا بني قد نضَج الوعدُ فلنشرعْ كي يكون قفالنُا قبلَ انحسارِ السدرةِ التي تدرزُ أسماءَ الأولياءِ، هكذا أبردَتْ لي الروزنامةُ.
تجاذبتْكما الأمواجُ والرياحُ التي تعبر من بين أضراسكما المنفرجةِ كلما تباسَمْتُما،
قبل أن تشهدَ عرسًا مرتديًا ثوبَ المدرسةِ الخاكيِّ المرفوءَ وتبرقَ في ذهنك الأصواتُ البعيدة:
“رني يا ساعة في بيت أبو معلا، رني يا ساعة
حلوة اْطباعه الشيخ أبو معلا، حلوة اْطباعه”
وهي تتدلى من ألسنِ نسوةِ الحيِ
اللائي نفضنَّ غبار وعث الأرز عن أحضانِهنَّ
وعلقن زغرودةً تصدعَتْ في صدورهِن
كلما أشعلَ الناسُ شموعًا في صحونِ زفافٍ، تفترشُها أغصانُ الدُفْلَى المزهرةُ في حلكةِ الليلِ
وترقبُ القططَ الصماءَ في الزوايا الدافئةِ.



