ابنة نخيل العوامية تقرأ الدهناء بعيون ذي الرمة

القطيف: صُبرة
في صحراء الدهناء تحن الريح، ويحرّك السراب الجبال، وتظهر الأشياء وتختفي، وتمتلئ الفلاة بحركة الظباء والمها والطيور والإبل، فيما تتعاقب ألوان الليل والفجر والغروب على مشهد ظل حاضراً في عين شاعر جعل من الوصف واحداً من أبرز مفاتيح شعره.
إلى هذا العالم ذهبت الباحثة صباح آل قاسم، ابنة العوامية، في أطروحتها للدكتوراه في اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، حاملة سؤالاً يصلح وحده مدخلاً لقراءة ذي الرمة: «كيف نظر الشاعر إلى أشياء الكون، وكيف تمثلها؟». حملت الأطروحة عنوان «شعرية الوصف عند ذي الرمة.. دراسة في ضوء نظرية علم الخطاب»، ودرست آليات الوصف في شعره، وكيف يعرض الأشياء في الزمان والمكان، ويدخل فيها موقفه وعاطفته، فتتحول الصورة الخارجية إلى جزء من ذات الشاعر وتجربته.
وهنا تلتقي ابنة نخيل العوامية بشاعر الصحراء؛ الواحة على طرف المشهد، وصحراء الدهناء في قلبه، وبينهما قراءة تبحث في العين التي رأت المكان قبل أن تصفه اللغة.

سيد الوصافين
تصف آل قاسم ذا الرمة بـ«سيد الوصافين في القرن الأول»، وتستحضر ما سجله النقاد القدماء عن قدرته على التشبيه وتصوير الأشياء «صورة ولوناً وحركة وهيئة». ومن هذه المكانة تنطلق إلى السؤال الأهم في دراستها: كيف صنع الشاعر هذا العالم بالكلمات؟
وتقود الإجابة إلى التفاصيل؛ فذو الرمة يراقب حركة الحيوان، وتبدل الضوء، ولون الأشياء، والسراب، والنجوم، والليل والفجر، ويجمع الجزئيات في مشهد يتحرك أمام القارئ. وفي خاتمة الأطروحة تصف آل قاسم ديوانه بأنه علامة مائزة في شعرية الوصف في الأدب العربي، وترى أن الشاعر شحذ لغته لتستوعب رؤيته للصحراء التي عشقها، فأبرز جمالها وتفاصيلها «بريشة المصور المحترف».

حتى الريح تحن
ومن أكثر صور الأطروحة قدرة على اختصار عالم ذي الرمة صورة الريح؛ إذ يصورها الشاعر ناقة لها حنين، وتقرأ آل قاسم الصورة في ضوء حنين الناقة التي ثكلت وليدها؛ تتخيله أمامها، فتلقي نفسها عليه من شدة حبها إياه. هنا تأخذ الريح عاطفة الحيوان، ويتحول صوتها وحركتها إلى حنين.
وهذه الصورة جزء من طريقة أوسع في رؤية الصحراء؛ فقد حرّك ذو الرمة، وفق تحليل الباحثة، الطبيعة بحيوانها وجبالها وهضابها وسرابها وشجرها ونهارها وليلها ونجومها وكواكبها. ويجعل السراب الجبال تتحرك أمام العين، فتظهر وتختفي وتتمايل، ويمتد المشهد إلى الفجر والنهار والظباء والحيوانات والقوافل الراحلة، في حركة تربطها الدراسة بإشاعة «الإحساس بالحياة، والشعور بالتجدد والحيوية». صحراء ذي الرمة، بهذه القراءة، عالم حي؛ الريح فيه تحن، والسراب يحرّك الأفق، والحيوان يمنح الفلاة قصصها.

المها والظباء
ويحتل الحيوان مساحة واسعة من هذا العالم؛ إذ تتعقب الدراسة وصف ذي الرمة لحيوانات الصحراء، ومنها الظباء والبقر الوحشية ـ المها ـ والطيور والإبل، وتقرأ حركتها وألوانها بوصفها عناصر أساسية في تشكيل الصورة.
وفي أحد المشاهد يظهر خشف، صغير ظبية، يستيقظ وينادي طلباً للماء، فتتجه إليه أمه. يجمع المشهد الصوت والحركة واللون؛ صوت الصغير، وحركته وحركة أمه، والتفاصيل البصرية التي تسجلها عين الشاعر. وتظهر الدقة نفسها في وصف طائر البازي؛ إذ تتوقف آل قاسم عند لونه الداكن، وملاءمته لقوة الطائر وظلام الليل، ثم عند الندى المترقرق عليه. وترى في هذه التفاصيل دليلاً على دقة الشاعر في رصد مشاهد الطبيعة وما يظهر فيها من ألوان وحركات. الحيوان هنا جزء من حياة المكان؛ يتحرك ويعطش ويحن ويبحث، ويمنح الصورة الصحراوية حركة مستمرة.

هو وناقته.. شخص واحد
وتأخذ الناقة مكاناً أكثر قرباً من الشاعر؛ إذ تقول الدراسة إن ذا الرمة أكثر من وصف ناقته ونوق أصحابه وما تعانيه من مشقة الرحلة، وصوّر نفسه متوسداً ذراع راحلته في الليل حتى بدا الاثنان «كأنما هو وهي شخص واحد». وحين يصف معاناة الراحلة يتحدث، في قراءة الباحثة، عن شيء من معاناته، ويقرن حاله وحنينه بحالها وحنينها. وبهذا تتحول الناقة إلى مرآة للذات الشاعرة؛ تحمل تعب الطريق وحنين صاحبه، وتربط الإنسان بالصحراء التي يعبرها.
عين تلتقط اللون
وللون مكانة لافتة في قراءة آل قاسم؛ إذ ترى الباحثة أن ذا الرمة امتلك قدرة كبيرة على اختيار اللون الملائم لكل صورة، واستخدم ألواناً مركبة، وجمع أكثر من لون في المشهد الواحد. وتتوقف عند أضواء الشفق وهي تختلط في الأفق بظلمات المساء، وترى أن الشاعر استخدم اللون لتجسيم المعنى وإشاعة الحياة فيه ونقله إلى المجال الحسي.
وفي صورة أخرى تسجل عينه التفاصيل والجزئيات والألوان والأوضاع والزوايا، حتى ترى آل قاسم أن رساماً يستطيع تحويل الصورة الشعرية إلى لوحة بما تحمله من حركة وتوتر وسكينة. وهنا تقترب عبارة «ريشة المصور المحترف» من معناها الكامل؛ فذو الرمة يبني الصورة من أجزاء دقيقة، ثم يجمعها حتى يصبح المكان مرئياً في اللغة.
وللصحراء صوت
وتكتمل الصورة بالصوت؛ إذ ترصد الأطروحة وصف ذي الرمة للأصوات الكثيرة التي تموج بها أرجاء الصحراء ويسمعها المسافرون، وتقترب في تشبيهاته من ترانيم المصلين أو حنين الإبل الظمأى التي اشتد بها العطش. وهكذا تتعاون الحواس في تشكيل المكان: العين تلتقط اللون والحركة، والأذن تسمع أصوات الفلاة، والعاطفة تمنح الريح والناقة والحيوان الحنين والخوف والتعب والشوق.

الدهناء بالاسم
ثم تصل الدراسة إلى صحراء الدهناء بالاسم؛ إذ تتوقف آل قاسم عند «حزوى» في شعر ذي الرمة، وتشرح أن الشاعر يدعو بالسقيا للمكان الذي تقابل أكثبته الدهناء. وتقرأ التضاد بين «السهل والجلد» من الأرض باعتباره جزءاً من رسم المكان وتحديد معالمه.
وهذه الإشارة تمنح زاوية الأطروحة بالنسبة إلى قارئ القطيف معنى أكثر قرباً؛ فالباحثة ابنة العوامية تقرأ شاعراً امتلأ ديوانه بالصحراء، وتصل في تضاريس شعره إلى صحراء الدهناء.
من النخيل إلى الرمل
بعد رحلة طويلة في خطاب ذي الرمة الوصفي، تعود آل قاسم في خاتمة أطروحتها إلى الصحراء نفسها. شاعرها أحبها، وشحذ لغته لتستوعب رؤيته لها، وأبرز جمالها وتفاصيلها «بريشة المصور المحترف».
ومن هنا تبدو المسافة بين نخيل العوامية ورمال الدهناء أقصر مما توحي به صورتان مختلفتان للمكان؛ ففي قراءة صباح آل قاسم يتحول السؤال الأكاديمي «كيف نظر الشاعر إلى أشياء الكون، وكيف تمثلها؟» إلى رحلة داخل عين ذي الرمة؛ عين رأت للريح حنيناً، وللسراب حركة، وللمها والظباء حياة، وللناقة شيئاً من روح صاحبها، وللشفق ألواناً، وللفلاة أصواتاً. ومن نخيل العوامية قرأت صباح آل قاسم صحراء الدهناء بعيون شاعر رآها عالماً يتحرك ويتلون ويحن.



