أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحاج مكي جاسم العسيف… عمرٌ في الخدمة والوفاء

رضي العسيف · القطيف اليومالخميس 18 يونيو 2026، 11:12 ص
الحاج مكي جاسم العسيف… عمرٌ في الخدمة والوفاء

أعرفه منذ نعومة أظفاري، فما كدت أفتح عيني على أجواء المجالس والمآتم حتى كان واحدًا من الوجوه المألوفة التي ارتبطت في ذاكرتي بالحسينية وخدمة الإمام عليه السلام.

لم أكن أراه إلا هناك؛ عند باب الحسينية يستقبل القادمين، أو في المطبخ منشغلًا بخدمة المعزين، أو في زاوية من زوايا العمل التي لا يلتفت إليها كثير من الناس. أما الجلوس في وسطها أو في مقدمتها إلى جانب المنبر، فلم أره يومًا يحرص عليه أو يسعى إليه، وكأن قلبه اختار منذ زمن بعيد أن يكون في موقع الخدمة لا في موقع الظهور.

ولو أردت أن أصفه بكلمة واحدة لقلت: إنه رجل عشق خدمة الإمام عليه السلام حتى النخاع. رجل ذاب في ذلك سنوات طويلة دون تبرم أو ملل، ودون أن يتطلع إلى وجاهة أو مكانة اجتماعية؛ لأنه كان يدرك بفطرته الصافية أن الوجاهة الحقيقية هي أن تكون خادمًا للآل عليه السلام، وأن أعظم المناصب أن يكتبك الله في سجل خدامه.

ورغم أنه لا يقرأ ولا يكتب، إلا أن مجالس أهل البيت عليهم السلام كانت مدرسته الكبرى، ومنبر الإمام عليه السلام كان أستاذه الذي نهل منه العلم والمعرفة. فصار يحمل ثقافة حسينية غزيرة، وحصيلة معرفية واسعة، بل ربما يمتلك من الخبرة والوعي ما لا يمتلكه بعض الشباب في هذا الزمن.

وقد تعاملت معه في بعض مواسم محرم أثناء توزيع «المحموص» على بيوت منطقة الشويكة، فكان يعرف البيوت وأهلها معرفة دقيقة، وكأنه يحمل خريطة المنطقة في ذاكرته. كان يشير بيده ويقول: هذا بيت الشيوخ، وهذا بيت غانم، وهذا بيت العباس، وهذا بيت حمدون، وهذا بيت الخاطر، وهذا بيت التاروتي… وهكذا ظل يرسم لنا خارطة التوزيع بيتًا بعد بيت، حتى إذا اطمأن إلى أننا عرفنا الطرق وأصحاب البيوت، ترك المهمة لنا ولعدد من الشباب لنواصل هذا العمل المبارك.

ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، بل أسس مجلسًا حسينيًا أسبوعيًا يجمع فيه مجموعة من كبار السن، يجددون فيه الذكر والولاء، ويتنفسون من خلاله عبق الحسين عليه السلام. وكأن لسان حاله يقول لهم: هذه المجالس هي رئتنا التي نتنفس منها، وهي النور الذي يضيء ما تبقى من أعمارنا، والحسين هو الذي يجمع قلوبنا قبل أن يجمع أجسادنا.

كما كان له مجلس صباحي يقام في مناسبات وفيات أهل البيت عليهم السلام، يحرص عليه حرص المحب المشتاق، الذي يرى في خدمة هذه المجالس شرفًا لا يعدله شرف.

وكان الحاج مكي واحدًا من أولئك العاشقين الذين ينتظرون قدوم شهر محرم كما ينتظر الظمآن الماء العذب. فإذا أقبل الشهر الحزين عاش مع الإمام عليه السلام حياة جديدة، وتجدد في قلبه عهد الولاء، وكأن أيام السنة كلها كانت تمهد له الطريق ليعيش تلك الأيام المباركة في رحاب سيد الشهداء عليه السلام.

فماذا أقول في رجلٍ نشأ مع الحسين، وعاش للحسين، وخدم الحسين، وجعل من هذه المجالس جزءًا من روحه وحياته؟

لا أملك إلا أن أدعو له قائلًا:

بارك الله فيك يا أبا الخدمة والوفاء، وهنيئًا لك هذا التوفيق العظيم. نسأل الله أن يكتبك في زمرة خَدَمِ الحسين عليه السلام، وأن يجعل ما قدمته لمجالسه المباركة نورًا لك في الدنيا والآخرة، وأن يطيل عمرك في خدمة الإمام عليه السلام، ويبارك لك في صحتك وعافيتك، لتبقى كما عهدناك عاشقًا وخادمًا لمجالسه المباركة عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأزكى التسليم.