الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كُن قائدًا على قدر القيادة

د. ماهر ال سيف · القطيف اليومالسبت 26 سبتمبر 2026، 1:30 م
كُن قائدًا على قدر القيادة

يُقال: «كُن قائدًا؛ فالتاريخ لا يذكر الجنود»، وهي عبارةٌ توقظ الهمم، لكنها تحتاج إلى تتمّةٍ من الحكمة: كُن قائدًا إذا كنتَ للقيادة أهلًا، ومبادرًا إذا كنتَ للمبادرة حملًا، ومسؤولًا إذا كنتَ للمسؤولية عقلًا وعدلًا.

فالقيادة ليست حبَّ ظهور، بل قدرةٌ على الحضور، وليست اعتلاءَ الصدارة، بل احتمالَ التبعة والخسارة. ليست أن تقول: أنا هنا، بل أن يقول الناس: معه نصل إلى هناك. ومن تقدّم قومًا بغير علمٍ أضلّهم، ومن تصدّر شأنًا بغير فهمٍ أتعبهم، ومن أمسك الدفّة ولا يعرف البحر؛ قد يُغرق السفينة وهو يحسب أنه يقود المسير.

القيادة ليست مخاطرةً عمياء، بل بصيرةٌ ترى قبل أن تسير، وبعدُ نظرٍ يحسب قبل أن يقرر، وشجاعةٌ تعرف متى تتقدم ومتى تستشير. فليس كل جريءٍ قائدًا، ولا كل متحدثٍ مؤهلًا، ولا كل صاحب رغبةٍ صاحب قدرة. ومن الحكمة أن تعرف أين تقود، وأين تساعد، وأين تقول بكل شجاعة: هذا ليس اختصاصي.

وفي الأسرة، القيادة حبٌّ وأمان، وحزمٌ وحنان، وعدلٌ واطمئنان؛ الأب أو الأم لا يقودان البيت بالصوت المرتفع، بل بالقلب المتسع، ولا بالخوف، بل بالقدوة والمعروف.

وفي العشيرة والعائلة، القيادة خدمةٌ قبل أن تكون مكانة؛ لا مِنّة فيها ولا قسوة، ولا استعلاء ولا إقصاء. وفي المأثور: «سيد القوم خادمهم»؛ فكلما ارتفع مقام القائد، ازدادت مسؤوليته في الاحتواء، وكلما اتسعت صلاحياته، ضاقت أمامه مساحة الهوى.

أما قيادة المجتمع، فهي مرتبةٌ أعلى؛ تحتاج علمًا، وتواصلًا، وتطوعًا، وصبرًا، وخطةً معلومة لا خطوةً مجهولة. وإذا وافق الناس على خطة، فالأمانة تقتضي الالتزام بها، والشفافية تقتضي إطلاعهم عليها، والشورى تقتضي سماعهم فيها؛ قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

وفي الشركة، القيادة عدلٌ في القرار، وإنصافٌ في الاختيار، وتقديمٌ للأكفأ بعيدًا عن الهوى والانحياز؛ فالمؤسسة لا تنهض بالمجاملات، بل بالكفاءات، ولا تستقيم بالتحيز، بل بالميزان.

ومن جميل الحكمة الغربية أن القيادة ليست صناعة أتباع بقدر ما هي صناعة قادة؛ فالقائد الحقيقي لا يخاف من نجاح من حوله، بل يبنيهم، ولا يحتكر المعرفة، بل ينشرها، ولا يجعل المؤسسة قائمةً عليه، بل يجعلها قادرةً على الاستمرار بعده.

فبادر… ولكن بعلم، وتقدّم… ولكن بحكمة، وتطوّع… ولكن بقدرة، وقُد… ولكن بعدل.

فالتاريخ قد لا يذكر كل الجنود، لكنه أيضًا لا يرحم القائد الذي قاد بلا بصيرة. وقد يذكر من حمل الراية، لكن أجمل الذكر لمن حمل معها الأمانة؛ فليست العبرة أن يكتب التاريخ اسمك، بل أن يكتب بجانب اسمك: قاد فعدل، وخدم فأخلص، وبادر فأنجز، ورحل وترك وراءه أثرًا لا ضجيجًا.