ضغط العمل... بين الاستنزاف والنمو


في مقالنا السابق، تساءلنا: لماذا ينجح العمل وتفشل الحياة؟ وتناولنا حال الإنسان الذي يتقدّم مهنيًا، لكنه مع مرور الوقت يدفع من صحته وراحته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية ثمنًا لهذا النجاح، واليوم ننتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تكمن المشكلة في العمل نفسه، أم في الضغوط التي ترافقه؟ ولماذا يتحول الضغط لدى بعض الناس إلى فرص للنمو والتعلم واكتساب الخبرة، وتطوير القدرات، بينما يصبح لدى آخرين مصدرًا للاستنزاف والإرهاق، وفقدان متعة الإنجاز؟
والسؤال الأهم: كيف نواجه ضغط العمل ونحوّل تحدياته إلى فرص للنمو، دون أن يتحول النجاح المهني إلى عبء يستنزف صحتنا وحياتنا واستقرارنا؟
بيئات العمل الحديثة... إنجاز أسرع وضغوط أكبر
لقد تغيّرت بيئات العمل الحديثة بصورة لافتة، فلم يعد العمل كما كان في الماضي، محصوراً في مكان محدد أو ساعات دوام تقليدية محددة، بل امتد إلى العمل عن بُعد، والعمل بالأهداف والنتائج، والعمل المستقل وصناعة المحتوى الرقمي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل وأصبح الإنسانُ مطالباً بالتعلّم والتدريب المستمرين ومواكبة المستجدات، والتكيف معها، وإنجاز المزيد من المهام في وقت أقل.
ولذلك، لم تعد الضغوط التي يواجهها الإنسان ناتجة عن العمل وحده، بل باتت تتداخل مع ظروف الحياة ومتطلباتها اليومية، ومع ذلك، فإن وجود الضغط لا يقود بالضرورة إلى الاستنزاف، فقد تدفعه مسؤولية جديدة إلى اكتساب الخبرة، ويمنحه تحدٍّ صعب فرصة لتطوير مهاراته واكتشاف إمكاناته، لكن الضغط نفسه قد يتحول إلى عبء حين تتجاوز المطالب إمكاناته الذاتية، أو تستمر دون راحة كافية أو دعم مناسب، فليست العبرة بوجود الضغط فحسب، بل بطبيعته، ومدته، ومدى توافق متطلباته مع قدرات الإنسان والموارد المتاحة له، والظروف المحيطة به.
ويؤكد هذا التمييز ما توصلت إليه دراسات علم السلوك التنظيمي من اختلاف آثار الضغوط بحسب طبيعتها؛ فهناك ضغوط تمثل تحديات تدفع إلى التعلم والإنجاز، وأخرى تعوق العمل وتستنزف الجهد، وقد أظهرت دراسة تحليلية نشرتها مجلة السلوك التنظيمي عام 2024 م، وشملت 78 عينة بحثية، أن ضغوط التحدي قد تعزز الأداء، لكنها قد تزيد الإجهاد أيضًا، بما ينعكس سلبًا على الأداء مع مرور الوقت، وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة مفادها أن الإنسان قد ينجح في إنجاز مهامه تحت الضغط، لكن نجاحه في تحقيق النتائج لا يعني بالضرورة أن الضغط كان صحيًا أو بإمكانه الاستمرار على الوتيرة نفسها دون تكلفة على صحته وطاقته.
ضغط التحدي وضغط العوائق... أين يكمن الفرق؟
لنتأمل موظفًا أُسندت إليه مسؤولية جديدة تتطلب مهارات لم يسبق له استخدامها، فإذا توافرت له الصلاحيات والأدوات والوقت المناسب، وحصل على الدعم اللازم، فقد يجد في هذه المسؤولية فرصة للتعلم وتطوير قدراته وإن واجه بعض الصعوبات في البداية.
وفي المقابل، قد يجد موظف آخر نفسه غارقًا في مهام متراكمة، وتعليمات متضاربة، ومواعيد تسليم متقاربة مع نقص في الموارد والصلاحيات، وهنا لا ينفق الموظف طاقته في تحسين أدائه بقدر ما يستهلكها في تجاوز العقبات التي تعترض طريقه، فالفرق بين الحالتين ليس بالضرورة في كفاءة الموظف أو قدرته على التحمل، بل في طبيعة الضغوط والظروف التي يعمل فيها.
لكن ضغوط الإنسان لا تبدأ دائمًا من مكان العمل، ولا تنتهي عند مغادرته، فهو لا يبدأ يومه بمعزل عن ظروف حياته ولا يعود إلى منزله تاركًا أعباءه المهنية خلفه دائمًا، فقد يصل إلى عمله بعد رحلة مرهقة بسبب الازدحام المروري، أو بسبب تأخره عن العمل، أو أن يقضي يومه في بيئة صاخبة تستنزف تركيزه، ثم يعود إلى منزله مثقلًا بالتزامات مالية وأسرية تشغل تفكيره، وتحول دون حصوله على الراحة الكافية، وهكذا فقد تتراكم على الإنسان ضغوط العمل والحياة في آنٍ واحد.
متى يتحول الضغط من تحدٍّ إلى استنزاف؟
يبدأ الضغط في التحول من تحدٍّ يدفع الإنسان إلى النمو والإنجاز إلى عبء يستنزف طاقته عندما يعتقد أن النجاح يتطلب منه أن يبذل المزيد باستمرار، وأن يظل متاحًا للعمل في كل وقت، دون أن يمنح نفسه فرصة للراحة واستعادة طاقته، أو حين تستمر هذه المطالب دون راحة كافية أو دعم مناسب، عندها يتحول الضغط من حافز للإنجاز إلى عبء يستنزف جهده، ويُضعف قدرته على التركيز والاستمرار.
ومن أبرز العلامات المبكرة التي تستدعي الانتباه: الإرهاق المزمن الذي لا يزول بالراحة، وفقدان متعة الإنجاز، وتراجع القدرة على التركيز، واضطراب النوم، والشعور الدائم بأن الجهد لا يحقق النتائج المرجوة، وما إلى هُنالك، وهذه العلامات أو غيرها لا تعني ضعفًا في الشخصية أو فشلًا في المواجهة، بل تمثل إشارات تستدعي الانتباه والمراجعة، وقد يكون الوقت مناسبًا لإعادة النظر في طريقة العمل وطلب الدعم، وربما إعادة ترتيب الأولويات.
قصة «المشروع الذي ابتلع صاحبته»
كانت «ريم» مديرة مشروع رقمي كبير في إحدى الشركات التقنية، عُرفت بدقتها العالية وسرعة استجابتها وقدرتها على حل المشكلات المعقدة، وحين أُسند إليها المشروع، رأت فيه فرصة لإثبات جدارتها، وصناعة إنجاز يضاف إلى مسيرتها المهنية، لكن المشروع، الذي بدأ تحديًا مهنيًا، أخذ يتسلل تدريجيًا إلى تفاصيل حياتها: اجتماعات متلاحقة، ومطالب متزايدة من العملاء، ومواعيد تسليم لا تحتمل التأجيل، وفريق عمل محدود الإمكانات، وكلما ظهرت مشكلة، كانت ريم تتدخل لحلها بنفسها، مقتنعة بأن تفويض الآخرين قد يُبطئ الإنجاز، مع أن هذه القناعة قد تصح في بعض الحالات، فالتفويض قد يُبطئ الإنجاز في البداية، لكنه قد يُسرّعه على المدى البعيد، إذا أُحسن تطبيقه، وكانت ترى أن مسؤوليتها تقتضي حضورها في جميع التفاصيل.
في البداية، بدا أسلوبها ناجحًا، فقد تجاوز المشروع عددًا من العقبات، وتلقت إرشادات متكررة من مديرها. وشيئًا فشيئًا، أصبحت تبدأ يومها بمتابعة الرسائل قبل الإفطار، وتنهي ليلها بمراجعة التقارير، وتقتطع من وقت أسرتها وراحتها كلما ظهرت مهمة جديدة، حتى فقدت قدرتها على التركيز خلال اجتماع مهم، وأدركت أنها لم تعد تدير المشروع بقدر ما أصبح المشروع يدير حياتها، فقررت ريم إعادة ترتيب الأولويات، وتوزيع المهام على فريقها، وطلب الدعم والمساندة اللازمة من الإدارة، ومع وضوح المسؤوليات وتعاون الجميع، نجح المشروع، واستعادت قدرتها على العمل بفاعلية.
وعندما سُئلت عن سر نجاحها، أجابت: «كنت أعتقد أن النجاح يعني أن أحمل كل شيء بنفسي، حتى أدركت أن النجاح الحقيقي هو أن أعرف ما أحمله، وما أستطيع أن أضعه في أيدي الآخرين».
والعبرة من القصة أن الخلل ليس في الطموح أو تحمل المسؤولية، بل في الاعتقاد بأن النجاح يتطلب استنزاف الذات، فالقائد الناجح لا يحمل الأعباء كلها، بل يحسن توزيعها، وإدارة الجهد قبل أن يبتلعه العمل.
كيف نواجه الضغوط ونحوّلها إلى فرص للنمو؟
ربما لا أكون واقعيًا إن قلت إن مواجهة ضغط العمل تعني التخلص من جميع الأعباء والتحديات، فهذا أمر يصعب تحقيقه في بيئات العمل الحديثة، حيث تتزايد المسؤوليات، وتتداخل متطلبات العمل مع متطلبات الحياة. ولكن ما نستطيع فعله هو تغيير طريقة تعاملنا مع هذه الضغوط، حتى لا تتحول من تحديات تدفعنا إلى التطور إلى أعباء تستنزف طاقتنا وتحدّ من قدرتنا على الإنجاز.
أولًا: أعد ترتيب أولوياتك
ليس كل عمل عاجل يستحق أن يتقدم على غيره، وليست كل مهمة مسؤوليتنا وحدنا، كما أن بذل المزيد من الوقت والجهد لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل، فالإنسان الأكثر فاعلية ليس من يحمل الأعباء كلها، بل من يعرف كيف يرتب أولوياته، ويوظف إمكاناته وفقًا لأهمية المهام ومتطلباتها، ويستثمر وقته بالشكل الصحيح ويطلب المساندة حين يحتاج إليها.
ثانيًا: عالج أسباب الضغط، ولا تكتفِ بمضاعفة الجهد
تختلف طريقة التعامل مع الضغط باختلاف مصدره، فإذا كان ناتجًا عن تحدٍّ مهني جديد، فقد يكون التعلم والتدريب وطلب المشورة وسائل لتحويله إلى فرصة لاكتساب الخبرة، أما إذا كان ناتجًا عن تراكم المهام والمسؤوليات، أو عن تضارب التعليمات، أو عن نقص في الموارد والصلاحيات، فإن الحل لا يكمن في مضاعفة الجهد، بل في معالجة أسباب المشكلة، وإعادة توزيع المسؤوليات، وتحسين أساليب العمل.
ثالثًا: أدر حياتك خارج العمل بوعي
لا تكتمل معالجة ضغوط العمل دون إدارة حكيمة ومتوازنة للحياة خارجه، فالأسرة ليست ترفًا، والصحة ليست ثمنًا ينبغي دفعه مقابل النجاح، والعلاقات الاجتماعية والحياة الخاصة ليست أمورًا مؤجلة إلى حين الانتهاء من العمل، لأن العمل لا ينتهي دائمًا، بينما تمضي الحياة وتتغير فرصها، ومن المهم أن يمنح الإنسان نفسه وقتًا يستعيد فيه طاقته، ويُحافظ فيه على علاقاته، ويتعامل مع الضغوطات الحياتية بوعي ومسؤولية حتى لا تتراكم أعباء العمل والحياة معًا، وتتحول إلى استنزاف مستمر.
مسؤولية المؤسسة لا تقل أهمية
بينما يبقى دور الفرد محوريًا في إدارة الضغوط، فإن تحميله مسؤولية مواجهتها وحده يُعد إجحافًا بحقه وبحق منظومة العمل بأكملها، فالمؤسسات تتحمل مسؤولية كبيرة في خلق بيئة عمل صحية، تتجلى في وضوح الأدوار والصلاحيات، وعدالة توزيع المهام، وتنظيم تداول المعلومات وتبسيط المعاملات والإجراءات، وتوفير الموارد اللازمة، ومرونة أساليب العمل، وترسيخ ثقافة التشجيع على طلب المساعدة بدلًا من اعتبارها ضعفًا أو تقصيرًا.
وفي النهاية يمكننا أن نقول: لا نستطيع أن نمنع ضغوط العمل والحياة، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نتعامل معها بوعي، وأن نميّز بين الضغط الذي يطوّر قدراتنا والضغط الذي يستنزفها، فليس المطلوب أن نعيش بلا تحديات أو عقبات، بل أن نواجهها دون أن نفقد قدرتنا على الاستمرار.
وتذكّر دائمًا: ليس النجاح أن نعمل أكثر فحسب، بل أن ننجز بوعي، ونتطور باستمرار، ونحافظ على حياتنا واستقرارنا، فالعمل الذي يستنزف الإنسان حتى يفقده القدرة على الاستمرار، يحتاج إلى مراجعة، مهما كانت نتائجه جيدة.



