مجالس الأحساء قديمًا وحديثًا


قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: 11].
من آداب المجالس ما أوصى به النبي الأكرم ﷺ أبا ذر: «يا أبا ذر، المجالس بالأمانة، وإفشاء سرّ أخيك خيانة، فاجتنب ذلك»، وهو قول نبوي يؤكد أهمية حفظ أسرار المجالس، وعدم إفشاء ما يدور بين الحاضرين من أحاديث خاصة أو أمور يجب سترها.
ومن أشهر المقولات عن المجالس ما قيل: «المجالس مدارس»، وقيل أيضًا: «من جالس جانس»، وهو مثل شعبي بليغ يُقصد به أن الإنسان يكتسب طباع من يجلس معهم وصفاتهم.
ومن حكم التراث العربي البليغة في آداب وعمارة المجالس ما قيل: «خير المجالس ما واجه المطالع، ووسعت فيه مكارم الأخلاق»، ويُقصد بهذه المقولة أن يكون المجلس مستقبلًا جهة الشروق أو الجهات المفتوحة التي يدخل منها الضوء والهواء الطليق، وأن يتسع صدر صاحب المجلس لجميع الحاضرين، وأن يحسن خلقه معهم.
وقال أحد الشعراء في مدح المجالس:
المجلس اللي كل طيب يدله
عسى النعم تمطر على باب راعيه
وقال شاعر آخر:
المجلس اللي يكرم الضيف والجار
ومن ضاق صدره قال بروح صوبه
والمجلس هو المكان الخاص لاستقبال الضيوف، وله مسميات عدة؛ فقد كان يسمى بالديوانية، ويسمى المضاف، وحديثًا يسمى مجلس الرجال أو غرفة الضيوف.
وللمجالس مكانة مرموقة في نفوس المجتمعات العربية، حيث تعد هذه المجالس بمثابة مدارس لتعليم الأجيال الجديدة قيم الاحترام وتقدير كبار السن وحل النزاعات بطرق سلمية.
المجالس في الأحساء قديمًا
وتنوعت المجالس في واحة الأحساء قديمًا، حيث شكلت مراكز للتواصل الاجتماعي والثقافي والتجاري، والتشاور والأدب، وحل النزاعات. وذكر الكاتب صالح النصر في مقال له أنواعًا من المجالس في ماضي الأحساء، ومنها:
1- مجلس الشرع: ويُعقد في بيت القاضي.
2- مجلس العلم: ومكان انعقاده المسجد.
3- مجلس الفريج: ومكان انعقاده بيت العمدة أو بيت عميد الأسرة أو إحدى برايح الفريج.
4- مجلس الضيافة: ويُعقد في البيوت، ويحرص رب الأسرة على العناية به.
5- مجلس العمل: ومكان انعقاده عند بوابات الدراويز أو عند الأسواق أو عند أحد العواير في إحدى البرايح، والقائم عليه رؤساء الحرف والمهن.
مجالس الأحياء والأسر التاريخية
وضم حي الكوت في الهفوف قديمًا مجالس لفقهاء وقضاة، ومنها مجلس أسرة الملا، الذي يُعد من أشهر المجالس، وفيه «بيت البيعة» التاريخي الذي استضاف الملك عبد العزيز، رحمه الله، عام 1331 هـ. ومنها مجلس قضاة أسرة العدساني، الذي كان مقصدًا لحل الخصومات. كما ضم مجلسًا لأسرة العبدالسلام، ومجلسًا لأسرة الحرز، ومجلسًا لأسرة البحراني، الذي كان يشرف عليه الحاج حسين البحراني.
وضم حي الرفعة قديمًا مجلسًا لأسرة بوخمسين، ومن بينها مجلس المرجع الديني الشيخ موسى بوخمسين، وهو مجلس ديني واجتماعي كبير في حي الرفعة، كان مرجعًا لحل النزاعات الأسرية والتجارية، وتقديم المساعدات الاجتماعية.
وذكر الشيخ موسى عبدالهادي بوخمسين المعاصر، في كتابه «أعلام أسرة آل أبي خمسين»، ضمن سيرة آية الله الشيخ موسى بوخمسين، أنه كان قبلة الوفّاد والضيوف؛ لذا أنشأ فوق مجلسه الواسع طابقًا علويًا، كان جناحًا خصصه لزواره من خارج الأحساء.
وهذا الكرم أثار قريحة ضيفه الشاعر زين العابدين الكويتي، الذي عبّر عن إعجابه بالجناح بقصيدة تضمنت:
يا غرفة شيدت لأهل الدين عن أمر مولى من أبي خمسين
مشكاة قنديل العلوم وحافظ الشرع المبين بعلمه المكنون
كما ضم حي الرفعة، في محلة الفوارس، مجلسًا للوجيه الحاج عبدالله بن أحمد بن محمد آل رمضان.
ومن مجالس الأسر في النعاثل: مجلس الحاج حبيب الحمزة العيد، ومجلس الخطيب محمد العوض.
ومن مجالس الأسر في حي الرقيات: مجلس الحاج حسين المسلم، ومجلس الحاج موسى بن محمد الدباب.
مجالس الأحساء في كتابات الرحالة
ووصف الرحالة الأجانب والمستشرقون، ومنهم الرحالة لوريمر في كتابه «دليل الخليج»، والرحالة باركلي راونكير عام 1912 م، كرم ضيافة أهل الأحساء، وذكروا في مذكراتهم كيف زاروا مجالس الأعيان والتجار في الهفوف والمبرز، ووصفوا الطراز المعماري لهذه المجالس، بما فيه «الكمار والجصيات والرواشن».
مجالس الأسر ودورها الاجتماعي
وشكّلت مجالس الأحساء قديمًا وحديثًا ركيزة أساسية في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، إذ كانت مدارس أدبية وفقهية ومراكز للتفاعل الاجتماعي. وعلى الرغم من قلة الكتب التي خُصصت لموضوع «مجالس الأسر»، فإن هذه المجالس تتزايد وتنتشر بين الأسر في أنحاء الأحساء، مما جعلها ظاهرة اجتماعية وثقافية وتاريخية عريقة.
وتعد «مجالس الأسر» من أبرز العادات المتوارثة في الأحساء، وهي تجمعات يومية أو أسبوعية تُعقد للرجال في المنازل أو الدواوين، ويتم خلالها تبادل الأحاديث ومناقشة قضايا المجتمع، وتعزيز الروابط الاجتماعية. وتزخر الأحساء بالعديد من المجالس العريقة التي يمتد تاريخها لأجيال متعاقبة.
مجلس أسرة الخرس
ومن المجالس العريقة في تاريخ الأحساء مجلس أسرة الخرس، وهو مجلس عائلي قديم في حي الرفعة، كان القائم عليه الحاج صالح الخرس والحاج عبدالمحسن بن حسين الخرس، ثم تأسس مجلس عام لأسرة الخرس في حي الفيصلية، ثم أعقبته مجالس خاصة في المنازل.
ومن مجالس أسرة الخرس المشهورة في مدينة المبرز مجلس الحاج علي بن حسين الخرس في منزله، وهو امتداد لمجلس الحاج الشيخ حسين بن علي بن الخرس والحاج علي بن محمد بن الخرس، كما ذكر ذلك رجل الأعمال فهد بن علي بن حسين الخرس.
وعُرف مجلس الخرس بحضوره الاجتماعي واستقبال جميع أطياف المجتمع، حيث تُتداول الأحاديث اليومية، وتُعقد الصفقات، وتُمارس أنشطة البيع والشراء، إلى جانب استقبال الأعيان ووجهاء المنطقة.
مجالس الأدب والفكر
ومن أشهر مجالس الأدب والفكر التي استضافت الأدباء والمثقفين: أحدية المبارك، واثنينية النعيم، وملتقى العفالق، وثلاثية المغلوث، وخميسية بوخمسين، حيث تشرع هذه المجالس أبوابها لرجال العلم والثقافة، موزعة على أيام الأسبوع.
مجالس الأسر في الهفوف والمبرز
وحديثًا انتشرت مجالس الأسر انتشارًا واسعًا في أنحاء الأحساء، ومن مجالس الأسر في الهفوف: مجلس أسرة السماعيل، ومجلس أسرة الشعيبي، ومجلس أسرة بوخمسين، ومجلس أسرة العرفج، ومجلس أسرة البقشي، ومجلس أسرة الجغيمان، ومجلس أسرة الملحم، ومجلس أسرة الغدير، ومجلس أسرة المطوع، ومجلس أسرة العليو، ومجلس أسرة المله، ومجلس أسرة النعيم، ومجلس أسرة الجعفري، ومجلس أسرة الخرس، ومجلس أسرة المبارك.
وأما مجالس الأسر في المبرز، فمنها: مجلس أسرة العفالق، ومجلس الجبر، ومجلس الطريفي، ومجلس الزرعة، ومجلس الموسى، ومجلس العبدالقادر، ومجلس الخرس، ومجلس العلوان، ومجلس أسرة البراهيم، ومجلس أسرة الصويغ، ومجلس أسرة السلمان، ومجلس أسرة الراشد، ومجلس أسرة المخايطة، ومجلس أسرة الخليفة، ومجلس أسرة السادة، ومجلس أسرة البوعياش، ومجلس أسرة الهاشم، ومجلس أسرة البشر، ومجلس أسرة السعدون، ومجلس أسرة السعد، ومجلس أسرة الباروت، ومجلس أسرة العباد، ومجلس أسرة المؤمن، ومجلس أسرة الصالح، ومجلس أسرة الحليبي، ومجلس أسرة الصياح، ومجلس أسرة الحماد، ومجلس أسرة الشهيل، ومجلس أسرة العثمان، ومجلس أسرة القروني، ومجلس أسرة المهنا، ومجلس أسرة الجري.
مبادرات توثيق مجالس الأسر
ونظّمت جمعية التنمية الأسرية بالأحساء النسخة الثالثة من برنامج «مجالس الأسر»، الذي شارك فيه أكثر من 50 مجلسًا أسريًا، وعُقد اللقاء عام 1444 هـ في مجلس أسرة السادة آل هاشم.
ومن الكتب التي تناولت أحد مجالس الأسر الأحسائية كتاب «مجلس عبداللطيف بن محمد بن حسين الحسين: مسيرة مائة عام»، تأليف الدكتور عبداللطيف بن إبراهيم الحسين، ويتناول تاريخ هذا المجلس العائلي بالأحساء.
مجلس رأس العاير التراثي
وحديثًا أُنشئ مجلس «رأس العاير» التراثي في الجبيل، وهو مجلس تراثي واجتماعي خاص أنشأه الأستاذ عبد الكريم محمد الممتن في بلدة الجبيل التابعة لمحافظة الأحساء.
وصُمم على طراز مجالس الآباء والأجداد، ليكون ملتقى اجتماعيًا يجمع أهالي بلدة الجبيل والمناطق المجاورة لها، ومكانًا مناسبًا لكبار السن لاستعادة ذكريات المجالس القديمة وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال.
دراسة علمية عن دور المجالس العائلية
وقد أُجريت دراسة علمية عن دور المجالس العائلية في تعزيز الترابط الأسري بمجتمع محافظة الأحساء، وهي دراسة ميدانية تناولت مجالس أسر الأحساء، وأُجريت على 22 مجلسًا أسريًا، من إعداد أحمد بن صالح النعيم.
وخلصت الدراسة إلى توصيات، منها رفع الوعي المجتمعي بأهمية المجالس العائلية.
دور المجالس في التنمية المجتمعية
ولا يقتصر دور المجالس الأسرية على اللقاءات وتعميق أواصر الترابط الأسري فحسب، بل يمتد ليشمل تبنّي مبادرات ومشاريع في مجال التنمية الأسرية، والمشاركة في الأعمال التطوعية والمجتمعية، بما يخدم الأسرة والمجتمع والوطن.



