السَّلف تَلَف


وش مصدر الدجاج عندكم؟
كان أبو عبدالله ينتظر دوره في أحد المطاعم، حين سمع السؤال من الرجل الواقف أمامه عند الكاشير.
رفع رأسه ونظر إليه. يعرفه جيدًا، لكن الرجل لم ينتبه إليه.
أجاب الموظف:
الدجاج عندنا فرنسي.
فقال الرجل فورًا:
أعوذ بالله! أنا ما آكل حرام.
ثم ترك المطعم وخرج.
بقي أبو عبدالله في الخلف يتابعه بعينيه. لم يكن يفكر في الدجاج الفرنسي، ولا في سبب تحريم الرجل له، وإنما في شيء آخر تمامًا:
هذا الرجل نفسه مدين له بمئة ألف ريال.
مر على الدين نحو سنة، وطالبه أبو عبدالله أكثر من مرة؛ مرة يتعذر، ومرة يؤجل، ومرة يتجاهل.
قال لنا أبو عبدالله وهو يروي الحكاية:
- وأنا واقف وراه قلت في نفسي: سبحان الله… الدجاج حرام، وفلوسي حلال؟
ضحكنا.
لكن السؤال، حين تفكر فيه قليلًا، لا يضحك كثيرًا.
فالمشهد هنا ليس بالضرورة دليلًا على أن الرجل كان يمثل حين رفض الدجاج. قد يكون صادقًا تمامًا في خوفه من أكل ما يعتقد أنه حرام، ومع ذلك استطاع في الوقت نفسه أن يتعايش عامًا كاملًا مع مئة ألف ريال ليست له.
يبدو أن الضمير البشري ليس دائمًا قطعة واحدة.
قد يكون شديد الحساسية في موضع، ومتساهلًا جدًا في موضع آخر، خصوصًا عندما تختلف الكلفة. فالامتناع عن وجبة دجاج لا يكلف كثيرًا، أما إعادة مئة ألف ريال فالأمر أكثر إيلامًا قليلًا.
وهنا تبدأ قدرة الإنسان العجيبة على إعادة ترتيب الحكاية داخل رأسه؛ فلا يعود يرى نفسه شخصًا يحتفظ بحق غيره، بل شخصًا متعثرًا، أو يمر بظروف، أو سيعيد المال متى تيسرت الأمور.
والفارق بين العذر والتبرير دقيق: العذر يفسر التأخير، أما التبرير فقد يجعل التأخير طبيعيًا إلى أجل لا يعرفه أحد.
ذكرتني حكاية أبي عبدالله بصاحب لنا.
قبل أكثر من عشر سنوات، استدان مني بضعة آلاف من الريالات. لم يكن المبلغ كبيرًا، ولذلك لم أفكر في عقد أو شهود أو ضمانات. صديق احتاج مبلغًا، فأعطيته.
مرت الأيام، ثم جاءت فترة احتجت فيها إلى المال، فاتصلت به وطلبته.
اعتذر بأن ظروفه لا تسمح.
قلت له:
ما عندي مشكلة. أعطني أي مبلغ تستطيع عليه.
قال:
خلاص، أعطيك إياه بالتقسيط.
كان اقتراحًا ممتازًا.
بقي فقط أن يبدأ التقسيط.
ومضى على ذلك أكثر من عشر سنوات، ولا يزال القسط الأول يبحث عن عنواني.
بعد فترة اكتشفت أنني لم أكن حالة خاصة.
صاحبنا كان قد استلف من جميع أفراد الشلة، واحدًا واحدًا، وكل واحد منا كان يظن في البداية أن المسألة بينه وبين صاحبه فقط.
حتى بدأت الحكايات تتقاطع:
حتى أنت مسلفه؟
إي والله.
وأنا بعد.
وفلان؟
بعد.
وفجأة اكتشفنا أننا لم نكن شلة أصدقاء فقط.
كنا مجموعة ممولين. والعميل واحد.
لكن كثرة القروض لم تكن أغرب ما في الحكاية.
مع الوقت بدأت تظهر لصاحبنا قدرة مالية لافتة في أماكن أخرى؛ هدايا وكرم ومصاريف لا تشبه كثيرًا صورة الرجل الذي ينتظر انفراج الأحوال حتى يبدأ أول قسط.
وكانت السيولة، لسبب عجيب، تختفي تمامًا عندما يتصل بها أحد الدائنين، ثم تظهر فجأة عندما يتغير المكان… وربما الجمهور.
المثير في هذه القصص أن الدائن والمدين قد لا يعيشان الحكاية نفسها أصلًا.
الدائن يتذكر كل اتصال، وكل وعد، وكل موعد فات.
أما المدين فيتذكر شيئًا آخر: المرة التي حاول فيها السداد، والظرف الذي مر به، وربما مبلغًا صغيرًا دفعه يومًا، وكل ما يثبت له أنه ”ما قصّر“.
وتشير بعض الدراسات في سلوك الاقتراض الشخصي إلى أن المقترضين يميلون إلى الاعتقاد بأنهم أدّوا من التزاماتهم أكثر مما يراه المقرضون، وإلى التقليل من الضيق الذي يسببه التأخير لصاحب المال.
فربما لا يكون الخلاف على مقدار الدَّين نفسه، بل على حجمه في رأس كل واحد منهما.
صاحب المال يعيش الدين باعتباره حقًا ناقصًا. أما المدين فيبدأ مع الوقت في رؤيته ظرفًا مؤجلًا، أو قصة قديمة، أو شيئًا ”ستنحل أموره“.
ومع مرور السنوات تتحول الجملة الأولى:
- استدنت مالًا ويجب أن أعيده
إلى:
- سأعيده عندما تتحسن ظروفي.
ثم:
- هو أصلًا مو محتاجه الآن.
ثم:
- لو كان محتاجًا فعلًا، كان ضغط علي أكثر.
وهكذا يتحول الدين من التزام له موعد إلى شيء موجود في الخلفية، مثل قطعة أثاث قديمة اعتادت عليها العين، ثم اعتاد عليها الضمير أيضًا.
ولا ننكر أن الظروف قد تكون صعبة فعلًا، وأن الإنسان قد يعجز عن السداد رغم صدق نيته. لكن العاجز الصادق لا يختفي؛ يتواصل، ويعتذر، ويسدد ما يستطيع.
وهناك تحول آخر قد يكون أهم.
في البداية قد يشعر المدين بالذنب، والذنب حين يعمل كما ينبغي يدفع صاحبه إلى الإصلاح: اعتذار، تواصل، سداد ما يستطيع.
لكن طول المدة يحوّل هذا الشعور إلى حرج وثقل ورغبة في التجنب.
يصبح اتصال الدائن نفسه مزعجًا، ثم يصبح لقاؤه ثقيلًا، فيؤجل المدين الرد، ويتجنب اللقاء، لا لأن الدين اختفى من ذاكرته، بل لأنه صار يذكره بما لا يريد مواجهته.
وهكذا يتحول الدَّين من مشكلة مالية إلى مشكلة علاقة.
في البداية يتجنب المال، ثم يتجنب الحديث عنه، ثم قد يتجنب صاحبه نفسه.
وللقضية وجه اجتماعي لا يقل أهمية عن النفسي.
أبو عبدالله يستطيع أن يطالب بحقه، وربما يستطيع أن يتخذ إجراءً أقوى، لكنه قال لنا:
- علاقتي بهم من الصغر، وكل إخوانه أصدقائي، و«حسبة أهل»، ووالدته مثل أمي.
فتدخل حسابات أخرى لا تظهر في كشف الحساب.
لا أريد أن أحرجه.
لا أريد أن أسبب مشكلة بين العائلتين.
ولا أريد أن أخسر علاقة عمر.
والغريب أن الحياء ينتقل إلى الطرف الخطأ.
أبو عبدالله هو صاحب المئة ألف، لكنه هو الذي يحسب حساب الأم والإخوان و”حسبة أهل“، وهو الذي يختار كلماته حتى لا يجرح مشاعر الرجل الذي يحتفظ بماله.
كأن الدَّين مع مرور الوقت يغيّر مواقع أصحابه:
يصبح المال للمدين، والحرج للدائن.
وقد يتصل صاحب الحق وهو يزن عباراته كلمة كلمة، ثم يغلق الهاتف وهو يشعر أنه ربما أثقل على الرجل الذي لم يُعد له ماله.
في البنك، التأخير له تاريخ وتنبيه وإجراء.
أما بين الأصدقاء، فقد يصبح التأخير مجرد:
- إن شاء الله قريب.
وكلمة ”قريب“ من أكثر الكلمات تمددًا في اللغة العربية.
لعل المشكلة في عبارة ”السَّلف تَلَف“ أنها توحي بأن الذي يتلف هو المال فقط.
والحقيقة أن المال قد يعود، وقد لا يعود، لكن شيئًا آخر يبدأ بالتلف قبله: الثقة.
تقرض صاحبك لأنك تثق به، ثم تطالبه لأنك تحتاج مالك، ثم تكرر الطلب، ثم يصبح الاتصال ثقيلًا، ويقل التواصل، ويصبح في خلفية كل لقاء شيء لم يُقل.
وفي النهاية قد يبقى الدين في مكانه، لكن الصداقة لا تبقى كما كانت.
وحينها تكتشف أن السَّلف لم يتلف المال فقط…
بل أتلف العلاقة التي جعلتك تسلفه أصلًا.
على الهامش…
أورد ابن عبد ربه في العقد الفريد أبياتًا لأعرابي جاءه غرماؤه يطالبونه بديونهم، فكان يعطيهم موعدًا بعد موعد.
وقال ضمن أبياته:
وما أواعدهم إلا لأدرأهم
عني
فيحرجني نقضي وإمراري
أي أن الموعد لم يكن بالضرورة موعدًا للسداد، وإنما وسيلة ليصرفهم عنه مؤقتًا.
مرت أكثر من ألف سنة، وتغيرت العملات، وظهرت البنوك، وأصبح التحويل يتم في ثوانٍ.
أما خطة السداد، فما زالت مألوفة:
أبشر… قريب إن شاء الله.



