الخميس 15 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

افتح إيميلك

يوسف الطويلالخميس 15 أكتوبر 2026، 10:54 ص
افتح إيميلك

في ليلة من ليالي الشتاء القارس في مدينة الابتعاث، تجاوز الوقت منتصف الليل حين رن الهاتف.

مد يده إليه وهو نصف نائم، فجاءه الصوت من الطرف الآخر:

«افتح إيميلك… الآن»

نهض متثاقلًا، واتجه إلى الكمبيوتر وفتح بريده.

كانت الرسالة تطلب منه استقبال سعودي سيصل إلى المدينة في العاشرة صباحًا، ومرافقته إلى مأدبة في المركز الإسلامي ولقاءات يتحدث فيها عن السعودية. ولم يكن اختيار المدينة مستغربًا؛ فقد عُرفت بكثرة المبتعثين السعوديين فيها. وأضافت الرسالة: «أنت خير من يمثل السعوديين الشيعة في استقباله».

لكن النوم طار حين قرأ اسم الضيف.

كان يعرفه: سعودي معارض يقيم خارج المملكة.

أسند ظهره إلى الكرسي وحدّق في الشاشة.

«كيف طحت في هالورطة؟ ولماذا أنا بالذات؟ هل ظنوا أن مذهبي يعني أن أقف ضد بلادي؟»

قام يمشي في الغرفة. لم يحب يومًا أن يكون أداة في يد أحد. ثم توقف فجأة:

«وش اللي قاعد أفكر فيه؟ ما يبي لها تفكير… أنا في صف بلادي»

عاد إلى الكمبيوتر وكتب إلى المجموعة الطلابية السعودية في المدينة:

«اجتماع عاجل غدًا قبل التاسعة. من يستطيع الحضور فليؤكد»

في الصباح اجتمعوا في إحدى قاعات الجامعة. حكى لهم القصة.

سأله أحدهم: «ليش أنت بالذات؟»

ابتسم: «والله لو أعرف قلت لكم! لكن الرجل يصل في العاشرة، ولازم نقرر».

قال آخر: «ماكو داعي نسوي شيء. لا نحضر وخلاص»

قال: «إحنا أكيد لن نحضر. لكن الدعوات ستصل إلى غيرنا. وحتى من يحضر وهو معارض لكلامه سيُحسب حضوره نجاحًا للقاء»

كانت الساعة تقترب من التاسعة، والضيف سيصل في العاشرة. لم يكن أمامهم وقت طويل.

بدأت الهواتف تتحرك بين أيديهم، ورسالة تنتقل من طالب إلى آخر:

«لا أحد يحضر».

وتوالت الردود بالموافقة.

بقي المركز.

كتبوا إلى إدارته: «أوقفوا الاستضافة، وإلا قاطعنا المركز»

وانتظروا.

وجاء الرد من المركز: «البرنامج مستمر»

وصل الضيف.

أقيم له استقبال ومأدبة كبيرة، وحضرت جاليات كثيرة، وامتلأ المكان…

إلا من السعوديين.

لم يحضر سعودي واحد.

نظر الضيف حوله وسأل: «أين السعوديون؟ لم أرَ سعوديًا واحدًا!».

بعدها اتصل مسؤول في المركز: «لماذا غبتم؟»

أجابه: «لا نقبل أن تُهان بلادنا وقيادتها ونكون شهودًا على ذلك. لكم حق اختيار ضيوفكم، ولنا حق اختيار أين نذهب. من اليوم سنقيم مناسباتنا في الجامعة»

وبدأت المقاطعة.

مرت ستة أشهر..... رن الهاتف..... الرقم نفسه.

والصوت نفسه: «شوف إيميلك»

ضحك: «إيش صاير بعد؟!».

ضحك الرجل وقال: «شوفه أول… وأنا أعتذر منك ومن كل السعوديين»

فتح بريده.

كانت رسالة طويلة من إدارة المركز: اعتذار، ودعوة للعودة، ووعد بألا يتكرر ما تسبب لهم في الإحراج والضرر.

ظل ينظر إلى الشاشة.

قبل ستة أشهر فتح إيميله فوجد ورطة.

واليوم فتحه فوجد اعتذارًا.

ابتسم…

وأغلق الكمبيوتر.